د. عثمان البشرى
لعل أمر العلاقة بين شعبي وادي النيل (مصر والسودان)، من الشائكات والمعقدات، والتي تجعل كلَّ من يدلي بدلوه فيها دون رؤية موضوعية ونظرة أكثر شمولية، أقرب من فتوى (البصيرة أم حمد)، تخبطًا وعشوائية، وإلزام ما لا يلزم.
كذلك فإن ربط هذه العلاقة في حزمة واحدة، ومحاولة حلحلتها، والاستفادة من ثمار العلاقة لربما ينحو ذات منحى اللادراية واللاموضوعية.
ومدخلي لهذه العلاقة بين البلدين، ينبع من حرصي ورؤيتي الموضوعية والكلية لها، بجانب المعايشة التي استمرت لقرابة ربع عقد من الزمان.
تبع ذلك الإيمان العميق والتام، بأنه لا بد من تحريك الأمواج بنحو أكثر موضوعية وحركية مدروسة نحو أسس العلاقة لتعافيها أولًا ثم النهوض بها لأفق المستقبل.
فالتجربة المكتسبة كما ذكرت، أثبتت أنه لا بد من تقسيم العلاقة بين السودان ومصر إلى عدة ملفات:
_ ملف سياسي أمني.
_ ملف اقتصادي.
_ ملف شعبوي.
حيث إن تداخل هذه الملفات ببعضها، قد يصعب الإمساك بها جيدًا، وحينها تنشأ كثير من النزاعات والمشاكل بين البلدين.
فالملف السياسي الأمني، وهذا أس العلاقات الرأسية بين الدولتين، دائمًا ما يكون عرضة لتضارب المصالح والرؤى المتناقضة والمواقف السياسية المتقلبة والمتحركة بين البلدين، فمنذ الحكم التركي وعهد الثورة المهدية والحكومات المختلفة عسكرية كانت أم مدنية، برزت النزاعات والخلافات بين البلدين والتي يحمد بأنها لم ترق للتحارب والقتال.
نعم، هنالك كثير من الإشارات الإيجابية والإشراقات التي كان يمكن أن يعوَّل عليها في بناء خطط استراتيجية وسياسات طويلة المدى، ولكنها سرعان ما تجهض لعوامل متداخلة، ومما يؤسف له أن تنتقل الخلافات للتناول الإعلامي الذي يضخمها دون تريث، وهو ذاته الذي كان يتغنى بالعلاقة قبلًا في مفارقة واضحة.
ارتبط الملف السياسي بالشأن الأمني، الذي يتخطى المفهوم التقليدي للأمن، حيث تسبقه عوامل البعد الاستراتيجي والمائي وغيرها من المؤثرات في ذات الشأن.
أما ما يلي الملف الاقتصادي، والذي بإمكانه أن ينمو ويحقق الفائدة للشعبين، لم يكن بذاك العمق والفهم الاستراتيجي، فاقتصر فقط على الاستثمار التجاري في أغراض كمالية وليس في مشاريع اقتصادية عملاقة زراعية أو صناعات تحويلية... تمت عمليات للاستثمار الزراعي الضخم في مشاريع النيل الأزرق، ولكن لم تتطور وتسير في نهج تسارعي.
الشاهد، أن العالم بأكمله اتجه إلى التكامل الاقتصادي وتبادل المنافع عبر مشاريع ضخمة مؤثرة وذات جدوى اقتصادية، إشارة لما حققه تجمع رابطة دول الاسيان (ASEAN)، ومجموعة البركس (Brics) الأوروبية لأمر فائق الأهمية والجدوى، فالملف الاقتصادي إذا ما أدير بنحو اتفاقي لأدى لتقليل تكاليف الإنتاج وسهولة الحركة التجارية وتحقيق منافع لاقتصاد البلدين، بجانب مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية.
فالملف يحتاج إلى جودة في تناوله لأصحاب الخبرة والعلم ورسم خطط مستقبلية.
فيما نجد في الملف الشعبوي والعلاقات غير الرسمية، العجب العجاب من الإساءات المتبادلة و(التريقة) على اللا شيء... وقد كان اهتمامي منصبًا على هذا الملف، ولعل الإرث الذي تركه الإمام المعلم الصادق المهدي عليه الرضوان، في هذا المنحى لهو كفيل أن يحرك ساكن العلاقات إلى نحو إيجابي مع جرف منتنها بعيدًا.
فكلما رشح للسطح طارئ من الأحداث، إلا وانبرى المثقفون وذوو الأدب وقلته (بسلخ جلد البعوضة)، دون تروٍ أو عقلانية، سرعان ما تشتعل الوسائط والتي أصبحت مهيمنة على عقول الكثيرين، فتشعل فتيل الشتم و(الردحي)، محرَكين بواسطة لجان إلكترونية تعمد إلى إذكاء نيران الفتنة بين الشعبين. إن كان من الجانب السوداني أو المصري، وهنا يغيب دور المثقف والسياسي في البلدين فيصبحا مشاهدين لمسرح العبثية، بدلًا من إطفاء هذه الحرائق اللسانية وتزكية عوامل الحب والخير والجمال.
كان يمكن استثمار لجوء ملايين السودانيين لمصر عقب الحرب كحدث استثنائي، وتحويل حالة اللجوء هذه لسؤال كبير مع استتباعه بعدة أسئلة فرعية، لماذا مصر تحديدًا دون دول الجوار؟! هنا تأتي الأهمية والاستثمار الحقيقي للحدث، والحالة البديعة التي ظهرت في بداية زحف السودانيين نحو مصر. من حيث التمازج والإلفة والمحبة وتقاسم لقمة العيش، وتحويل هذه الظاهرة إلى معانٍ ذات واقع ملموس، ولكن للأسف ذهب الجميع إلى (لو) و(ليه) و(عشان شنو)، فنشأ التلاسن، وتبعت الوسائط أسلوب (المديدة حرقتني)، بالرغم من أن ما يحدث من تفلتات لا يمثل إلا قلة قليلة، تبعه تراجع صوت العقل وسيادة صوت (الشردحة).
إن ترك أمر العلاقات السودانية والمصرية لسياسة (علي ما قسم) لهو من الخطل بمكان، فما حدث تاريخيًا لا يمكن محاكمته واجتراره بمنطق اليوم، فالحكمة تؤكد دائمًا الاستفادة من دروس الماضي والتصالح مع الذات، لإنشاء علاقات تحكمها أسس الموضوعية والندية، مع تخصيص الملفات جميعها لذوي الشأن والعالمين ببواطن الأمور والمؤمنين بحتمية العلاقات بين البلدين، بفض الملفات مؤسسيًا وخصوصًا الملف السياسي والأمني، وتخصيص حصة دراسية لأهمية العلاقة بين القطرين، وغرف إعلامية لتجاوز الإساءات، بجانب مشروع وطني مشترك ومهم للقطرين.




التعليقات (0)
جاري التحميل...