علي قيلوب
• للإفلات من العقاب أسباب ومبررات ووسائل عديدة، منها المشروعة ومنها غير المشروعة، نذكر منها أدناه، وباختصار، وعلى سبيل المثال لا الحصر:
(أ) عدم تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، أي تداخل السلطات، مثلًا بين السلطة القضائية والتنفيذية، حين تتجاوز السلطة التنفيذية وتتغول على السلطة القضائية، خاصة في الفترات التي تلي الثورات والتغييرات الكبرى التي تحدث في الأنظمة السياسية والاجتماعية، عن طريق الاستهانة أو الصمت والتقاعس عمدًا عن فتح ملفات الاعتداءات والجرائم التي ارتُكبت في ظل عدم استقرار مؤسسات الدولة، أو بسبب القصور أو الفشل في التقصي والتحقيق والضبط والتحري مع الجناة لأسباب فنية أو عملية تتعلق بعدم توافر الإمكانات اللوجستية، أو ضعف خبرة المتحري والقائمين على هذه الإجراءات، سواء بالنيابة العامة أو أجهزة الضبط والتحقيق.
(ب) غياب أو ضعف التحقيقات وتقصي الحقائق، أو حفظ البلاغات أو قيدها ضد مجهول (عمدًا أو استهانة)، أو بسبب رجوع المجني عليه أو الضحية عن شكواه أو التنازل عنها خوفًا ورهبةً من الانتقام، أو بسبب اليأس من تحقيق العدالة، كلها أسباب تساعد في انتشار ظاهرة الإفلات القضائي من العقاب. وفي المقابل، وما لم تُوفَّر الحماية للمبلغين والشهود والضحايا، ومساءلة ومحاسبة الجناة على جرائمهم، لن تتحقق فرص وإمكانية العدالة، بل تصبح فرص الإفلات من العقاب هي النتيجة الراجحة.
(ج) تدني مستوى كفاءة أجهزة التحقيق وعدم توافر الخبرة اللازمة في هذا المجال، لهما دور محوري في طمس الأدلة والحقائق، وصعوبة، بل واستحالة، إثبات التهم والجريمة على الجناة، ومن ثم إطلاق سراحهم وتبرئتهم لعدم كفاية الأدلة.
(د) الإفلات من العقاب نتيجة غياب التحقيقات، أو طول أمد إجراءات التحقيق والتقاضي، أو عدم توافر المساعدة القضائية للفئات الضعيفة في المجتمع، أو عدم تنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة منتهكي ومرتكبي الانتهاكات والجرائم، أو استغلال الحصانات والامتيازات وحالات العفو والتقادم المُسقط من أجل الإفلات القضائي من العقاب.
دور لجان المصالحة والإنصاف الوطنية ومكافحة الإفلات ولجان الحقيقة
• هذه اللجان هي هيئات رسمية مؤقتة غير قضائية لتقصي الحقائق، حيث تتولى إجراء التحقيقات فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي عادةً ما تُرتكب خلال فترة ماضية من الزمن.
• يأتي هذا الإجراء عقب الثورات والتغييرات الكبرى السياسية والاجتماعية التي تمر بها تلك الدولة، واتخذت تسميات مختلفة في مختلف التجارب، سواء في أمريكا اللاتينية أو أوروبا أو إفريقيا، وهي في: (الأرجنتين، صربيا، رواندا، نيجيريا، المغرب، تونس، مصر، و"حاليًا السودان").
• الغرض منها معرفة الحقيقة فيما يتصل بانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، من أجل الحقيقة وجبر الضرر للضحايا عن طريق التعويض (المادي والمعنوي... إلخ)، وكشف الحقيقة، زائدًا ابتكار آليات لمنع تكرار الجرائم مستقبلًا.
دور الاختصاص القضائي العالمي في مكافحة الإفلات من العقاب:
• أهمية النص على مبدأ الاختصاص العالمي في التشريعات الوطنية، ومنه:
ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية في مايو 1999م، عن المبادئ والممارسات الفعلية لمبدأ الاختصاص العالمي في التشريعات الوطنية، وهي التوصيات أدناه:
• ضرورة النص في التشريعات الوطنية على الجرائم التي تخضع لمبدأ الاختصاص الدولي على سبيل الحصر.
• ألا تشكل الحصانة عائقًا أمام اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقيق والمحاكمة للأشخاص الذين ارتكبوا الجرائم الخطيرة التي تنتهك حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
• ألا يشكل التقادم مانعًا لمحاكمة الجرائم الخطيرة التي تم ارتكابها في الماضي (جرائم التعذيب، جرائم الفساد، جرائم إساءة استعمال السلطة)، وذلك بالتذرع بقواعد التقادم.
• الدفع بأن ارتكاب هذه الجرائم قد تم تنفيذًا لأوامر عليا أو بدواعي الإكراه أو الضرورة، دون سند قانوني.
• عدم الاعتداد بالقوانين الوطنية والقرارات التي تصدر من أجل توفير حماية للجناة من المحاكمة أمام المحاكم الوطنية في الدول الأخرى.
• استقلال القضاء وعدم تداخل السلطات الأخرى في الممارسة القضائية.
• الالتزام بمبادئ علنية المحاكمة وبحضور المراقبين الدوليين.
• توافر معايير المحاكمة العادلة.
• توافر الحماية للضحايا والشهود والمبلغين.
• توافر التدريب المناسب لرجال الشرطة والنيابة والمحامين والقضاة على تطبيق القواعد القانونية ذات العلاقة بالاختصاص العالمي للجرائم ضد الإنسانية والجرائم الخطيرة لحقوق الإنسان وجرائم القانون الجنائي الدولي. تلاحق صاحبها حتى بعد مماته. فلنقل للناس حسنًا ولنحاور بالتي هي أحسن، ولنجعل من منصاتنا الرقمية منارات للحق والعدل والخير لا الباطل والظلم والشر.




التعليقات (0)
جاري التحميل...