عامر علي الحاج

 

وقف الحرب في السودان لم يعد رغبة أخلاقية أو شعارًا سياسيًا، بل أصبح سؤالًا إجرائيًا مباشرًا: كيف تتوقف الحرب فعليًا، لا نظريًا؟ الإجابة، مهما بدت صادمة للبعض، تبدأ من الاعتراف المتبادل بين أطراف القتال، لا من إنكار أحدهما للآخر، ولا من انتظار حسم عسكري ثبت عمليًا استحالته وكلفته الكارثية.

الاعتراف هنا لا يعني شرعنة الحرب، ولا منح السلاح صك غفران سياسي، بل يعني الإقرار بواقع قائم على الأرض. فالحروب لا تتوقف حين يتمنى أحد أطرافها زوال خصمه، بل حين يعترف بوجوده، وبقدرته الفعلية على الاستمرار، وبأنه طرف لا يمكن تجاوزه في معادلة وقف إطلاق النار وما بعدها. إنكار هذا الواقع ليس موقفًا مبدئيًا، بل سياسة فاشلة تطيل أمد الحرب وتضاعف خسائرها الإنسانية والمجتمعية.

لقد أظهرت التجربة السودانية، كما تجارب حروب كثيرة في العالم، أن الدعوة إلى "الحسم" غالبًا ما تكون هروبًا من السياسة لا تعبيرًا عن القوة. فحين تُدار الحرب بلغة الإلغاء، تتحول المعركة إلى صراع وجودي مغلق، لا يقبل التفاوض ولا يعرف نهايات واضحة. أما حين يُعترف بالخصم كطرف سياسي -مهما كان الخلاف معه- يصبح التفاوض ممكنًا، ويصبح وقف النار خطوة قابلة للتحقق لا مجرد أمنية.

غير أن الاعتراف المتبادل بين البنادق، على ضرورته، لا يكفي وحده. فالتفاوض الذي يقتصر على حاملي السلاح وحدهم، ينتهي غالبًا إلى إعادة إنتاج منطق القوة نفسها، ولو بأشكال أكثر ترتيبًا. ومن هنا تأتي المفارقة: من يرفض "تقاسم السلطة بين البنادق"، عليه أن يطالب -بوضوح- بإدخال القوى غير المسلحة إلى قاعات التفاوض، لا أن يكتفي برفض التفاوض أصلًا.

إن إشراك المدنيين، والقوى السياسية، والمجتمع المدني، ليس ترفًا أخلاقيًا ولا زينة شكلية، وإنما شرط جوهري لتحويل التفاوض من مسار عسكري إلى مسار سياسي. فوجود أطراف غير مسلحة داخل العملية التفاوضية يحدّ من تغوّل السلاح، ويكسر الثنائية القاتلة التي تحصر مصير البلاد بين قوتين متقاتلتين، ويعيد تعريف التفاوض باعتباره عملية لإدارة المجتمع، لا مجرد صفقة لوقف النار.

الخلط بين الاعتراف بالواقع والخضوع له أحد أكثر أسباب إرباك النقاش العام حول الحرب. فالتفاوض مع طرف مسلح لا يعني القبول بمشروعه السياسي، ولا التسليم بدوره المستقبلي، بل هو خطوة اضطرارية لوقف القتل وفتح المجال أمام صراع سياسي سلمي لاحق. السياسة، بخلاف الحرب، تملك أدوات المراجعة والمحاسبة والتغيير، أما استمرار القتال فلا ينتج إلا مزيدًا من الدمار والعداوات العميقة.

إن الطريق إلى وقف الحرب في السودان طريق واحد، مهما حاولنا الالتفاف عليه: اعتراف متبادل يفتح تفاوضًا مؤسسًا، وتفاوض لا يحتكره السلاح، بل تشارك فيه القوى المدنية بوصفها صاحبة المصلحة الحقيقية في السلام والدولة. دون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة، نرفض الواقع باسمه الأخلاقي، ونخضع له عمليًا بثمن أفدح.

ربما لا يكون هذا الطريق مثاليًا، لكنه الطريق الوحيد الممكن. أما البحث عن نهاية للحرب دون اعتراف أو سياسة، فليس سوى وصفة مؤكدة لإطالة أمدها، وتأجيل مواجهة السؤال الأهم: كيف نعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي، ونُخرج البنادق من تقرير مصير الدولة؟

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...