حتى لا ننسى

د. منى الفاضل

manoiaalfadil18@gmail.com

الصناعة في اللغة هي: حرفة الصانع وعمله، وهي كُل علم أو فن يُمارسه الإنسان حتى يمهُر فيه ويصبح حرفة دائمة له. أما إصطلاحًا فهي عمل الشيء واتقانه باستخدام الأدوات اليدوية أو الآلية.

من خلال التعريفين السابقين؛ يتضح أنها وظيفة أو صنعة مُشرفة لكُل من يمتهنها ويصبح فيها فنيًا أو تقنيًا أو مُتخصصًا في مجالاتها لشيء واحد فيها أو عدة أشياء مثلًا: النجارة، الحدادة، الأشغال اليدوية، مصانع الغزل والتعليب، الزراعة... ألخ، وكل تلك خبرات ووظائف يحتاج لها المُجتمع.

المهنة مهما كانت شاقة أو يسيرة، طالما هي عمل شريف حُر لا عيب فيها ولا شيء يجعلها سببًا ليُقلل فيه شخص من الذين يقومون بها؛ إلا الشخص الجاهل الذي لا يفهم ماذا يقول أو يتفوه؛ فيُلقي إسقاطاته ((الإسقاط في علم النفس هو حيلة ينسب فيها الفرد عيوبه أو مشاعره أو رغباته غير المقبولة إلى الآخرين)) على العُمال المهرة الذين يعملون في مجال الصناعة والتصنيع أو أي مجال آخر؛ بل العكس من يمتلك مهنة في يده فهو صاحب كنز يستطيع عبره تطوير عمله وإتقانه، وقد يصبح صاحب أعمال حُرة من هذه الحرفة القيمة.

في الأيام الماضية تحدثت وزيرة الصناعة التي تتبع لسُلطة بورتسودان؛ السُلطة التي اغتصبت السُلطة من حكومة انتقالية اختارها الشعب بعد ثورة راح فيها الكثير من شهداء من أفراد الشعب السوداني، لم يكن ذنبهم غير أنهم قالوا بسلمية (تسقُط بس!!) فتآمر عليهم من سرقوها، وهم من قبل كذلك سرقوها من حكومة مُنتخبة قبل ثلاثين عامًا من ديسمبر ثورة (2018)، ثم أعادوا نفس السرقة في 25 أكتوبر 2021، بخُبث في كلمة قالوا إنها إصلاح!! بينما تم تجميد الوثيقة الدستورية وإنهاء الشراكة مع القوى المدنية التي كانت تُمثل الحكومة الانتقالية وقتها، وقتل شباب الثورة بعدها بدم بارد، حتى وصلوا إلى أنهم أشعلوها حربًا مُستمرة مُنذ ثلاثة أعوام وما زالت. هذه هي وزيرتهم الآن تتحدث وبكل تعالٍ وعنصرية عن أهلنا في دارفور، حيث قالت وزيرتهم محاسن علي يعقوب: "نازحو دارفور في الولاية الشمالية  سيستخدمُون في المزارع والأعمال الشاقة لرفع مُعدل الإنتاج!!"، مع العلم أنه عمل شريف وكريم وشرف لكل من يعمل فيه، وهي بقولها هذا لا تُسيء بعنصرية أو تُقلل من أهلنا في دارفور فقط، أيها الشعب السوداني الكريم، بل تُقلل من جميع العمال الآخرين الذين يعملون في هذه المهن، والأغرب أنها ليست مهنًا ليتم تعييب الفرد العامل فيها! بل أي عمل مهما كانت بساطته أو مشقته فهو عمل مُحترم يكفي صاحبه الحاجة والعوز.

أيتها الوزيرة في حكومة لم يكسب السودان وشعبه منها غير الذل والمهانة وأكل حقوق الشعب، إن كنتِ ما تقصدينه تقليلًا بهؤلاء العمال واستعلاءً على هذه المهنة لأنك وزيرة، اسمحي لي أن أقول لك: مرتبك الذي تصرفينه ويعيشك في راحة ودعة وعظمة لم تجدوها إلا من تعبنا كشعب عُذِّب قصدًا، فهذا المرتب أُخذ من دم ذلك الشعب المُهان والمُشرَّد من منازله ووطنه، وهو لم يُصرف لكِ لأنك مميزة أو متعلمة، فالمتعلمون والمتعلمات كُثر؛ وإنما صُرف لكِ كي تخدمي هذا الشعب، فأنتِ لستِ إلا موظفة في الدولة عُيِّنتِ لتراعي شؤون الدولة التي هي في الواقع ملك له، وليست ملكًا للوزير ومن عيّنه.

أما إن كان حديثك هذا من باب العنصرية والعنجهية والتطاول بالتعالي على خلق الله الذي خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، إن كنتِ تعلمين ذلك، فعنصريتك مردودة عليكِ، وأنتِ مسؤولة لا تمثلين إلا حكومة حزبها المغتصب للسلطة! وهي لا تغني من الحق شيئًا، ولن ترفع قدرك أو مكانتك (لونك، شهادتك، نسبك، حزبك)، جميعها لا تعنينا في شيء، ولن يصبح لك بها قدر.!

ولكن ما يعنينا هو بلادنا الكريمة المليئة بالخير والخيرات، وأن تكون سلطتها في يد أمثالك وأمثال من يمسكون قلمًا كي يعينوا أشخاصًا متعالين، متعصبين على أصحاب البلد والحق، وينعمون من مالنا وخيراتنا، ويتخذونها نعيمًا يخصهم وأسرهم، ولم يكتفوا بذلك! بل يتعالون علينا بما نملك، فقط لأنهم وضعوا أيديهم عليه بالسلاح، وليس بالأفضلية والعلم والخبرة.

وإن كانت لكم خبرة حقًا، فلم يفشل وينقسم السودان ويتشرد شعبه وتطاله الحروب الدامية المهينة لكرامة الإنسان والهالكة له ولشعبه إلا في عهدكم الجائر المتكبر، الذي لم يستطع النجاح إلا في شق صفوف الشعب بالعنصرية البغيضة المخجلة من أشخاص يتباهون بأنهم متعلمون، وبألوانهم (فاتحة) ووجوههم (تقاطيعها أجمل)! تبًّا لكم، ثم تبًّا لما تعتبرونه أنها تعطيكم وضعًا أفضل على بقية بني جلدتكم في وطنهم.

يحسبونه هينًا، وهو عند الله، الذي يمثلون أمام الجميع أنهم يعرفونه! ونسوا أن الله خلق الجميع وقال: لا فرق بيننا غير التقوى.

بمناسبة هذه الكلمة التي قالها الحق عز وجل: (التقوى)، أيتها الوزيرة، أين التقوى لديكِ في حق الشعب المشرَّد، النازح، المريض، الجائع، المنتهكة حقوقه وعِرضه، المُهدر دمه في لا شيء غير طلب الحق، تعليمه، أكله، شرابه، الماء، الكهرباء، وكل الحق الذي تمنحه الدولة المحترمة وتحترم شعبه !.

أين التقوى عندكِ بين كل هؤلاء، وإنسان دارفور هو جزء لا يتجزأ من بقية الشعب؟.

ودمتم.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...