طاهر المعتصم
بعد أربع سنوات من الحرب، لم يعد السودانيون يخوضون معركة واحدة، بل معركتين متزامنتين؛ واحدة بالرصاص، وأخرى في الأسواق. وإذا كانت الحرب تقتل وتشرّد وتدمّر، فإنها في الوقت نفسه تستنزف الاقتصاد، وتضرب الإنتاج، وتستنزف موارد الدولة، وتدفع الجنيه السوداني خطوة بعد أخرى نحو الهاوية.
فانهيار الجنيه ليس رقمًا يظهر على شاشة أسعار الصرف، ولا أزمة نقدية منفصلة عن الحرب. خلف كل تراجع في قيمة العملة تقف منظومة كاملة أصابها القتال بالشلل: إنتاج يتعطل، وصادرات تتراجع، وطرق تجارية تُقطع، ومنشآت تُدمّر، وملايين يخرجون من دائرة الإنتاج بالنزوح، واحتياجات استيراد تتزايد في وقت تتقلص فيه موارد النقد الأجنبي.
وهكذا تبدأ الحلقة الأخطر: حرب تستنزف موارد البلاد وتضعف الإنتاج، وضعف الإنتاج يقلل تدفق العملات الأجنبية، وشح النقد الأجنبي يضغط على الجنيه، وتراجع قيمة الجنيه يرفع تكلفة الواردات، فتقفز الأسعار، ويشتعل التضخم، وتتآكل الدخول، ثم تتراجع القدرة على الإنتاج والاستهلاك مرة أخرى. إنها دائرة اقتصادية مغلقة تغذيها الحرب يومًا بعد يوم.
وفي الأشهر الأخيرة، تسارعت وتيرة انهيار الجنيه السوداني، فتجاوز الدولار حاجز سبعة آلاف جنيه في السوق الموازية، واقترب من ثمانية آلاف في منتصف سبتمبر، بالتزامن مع ارتفاع حاد في أسعار السلع والخدمات. كما تجاوز التضخم السنوي 51% في يونيو، فيما ارتفعت أسعار الغذاء بوتيرة أكبر.
لكن الأرقام لا تقول كل شيء. الوجه الحقيقي لانهيار الجنيه يوجد في راتب فقد قيمته، ومدخرات تبخرت، ومائدة تقلصت أصنافها، وأسرة أصبحت تحسب ثمن الوجبة قبل أن تحسب ما تبقى من دخلها. هنا تتحول الحرب من معارك على الأرض إلى معركة يومية داخل كل بيت.
والأخطر أن استمرار الحرب لا ينتج الفقر فقط، بل يخلق اقتصادًا يستفيد بعض أطرافه من الاضطراب والمضاربة والندرة، بينما يدفع المواطن العادي ثمن الانهيار من دخله وقوته الشرائية وأمنه الغذائي.
لهذا لا يمكن معالجة انهيار الجنيه بمعزل عن أصل الأزمة. فالإصلاح النقدي يحتاج إلى إنتاج، والإنتاج يحتاج إلى أمن، والاستثمار يحتاج إلى استقرار، والاستقرار الاقتصادي يحتاج قبل كل شيء إلى توقف الحرب.
الحرب إذن لا تستهلك أرواح السودانيين وحدها؛ إنها تستهلك عملتهم واقتصادهم ومستقبلهم. وكل يوم إضافي من القتال لا يعني فقط مزيدًا من الدمار، بل يعني أيضًا جنيهًا أضعف، وأسعارًا أعلى، ومائدة أفقر.
وعندما تصمت البنادق، ستكون أمام السودان معركة أخرى: إعادة بناء اقتصاد أكلته الحرب.




التعليقات (0)
جاري التحميل...