دكتورة فرناز عطية
تدخل الحرب الأهلية في السودان عامها الرابع، حيث يشهد البشر والحجر على حجم الدمار والخراب الذي سببته للبلاد والعباد، محدثة خسائر مادية ومعنوية، يصعب التعويض عنها أو التئام الجراح التي سببتها. ولا يزال إخوان السودان على نفس منوالهم في السعي لإطالة أمد الحرب سعيًا للوصول للسلطة والحفاظ على النفوذ، وتأجيج نيران الحرب عبر توظيف خبراتهم التراكمية في اختلاق الأزمات، وتبني خطاب تعبوي، ورفض أية مبادرة إقليمية أو دولية للمصالحة وإخماد نيران الحرب في السودان، والبعد عن أي مسار وطني يفرض المصالحة كـ"كتيبة البراء" التي ظهرت بشكل واضح في خلال الأزمة، مثلها مثل كتائب الإسلاميين الجهادية، وكذا التخوف من مساءلة المتورطين في أسباب اندلاع الصراع ضمن شروط العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية، وانتظار انتهاء الحرب بهزيمة "الدعم السريع"، وهنا يمكن أن يتبلور وضع إخوان السودان مع دخول الحرب عامها الرابع حول عدد من النقاط المحورية:
• إعادة تشكيل موازين القوى:
أكدت سنوات الحرب في السودان، أن أزمة السودان لم تأت كنتاج عوامل واعتبارات عسكرية، ولكنها جاءت كنتاج لرغبة الإخوان في إعادة تشكيل موازين القوى والثقل في الواقع السياسي للسودان، والعودة من جديد لسدة الحكم، ومحاولة واضحة للاستحواذ على مفاصل الحكم في السودان، والإمساك بكل خيوط اللعبة السياسية، واستبعاد الأطياف السياسية الأخرى، لاسيما بعد الثورة الشعبية التي قامت ضد الحكم الإخواني الاستبدادي في الخرطوم، حيث أشير بالبنان إلى أن جماعة الإخوان المسلمين بالسودان، وحلفاءها كحزب "المؤتمر الوطني" و"الحركة الإسلامية السودانية"، هم وراء إدارة الصراع وتأجيجه لصالح عودة النظام السابق لـ"عمر البشير" للحكم، وذلك في ثوبه العسكري الجديد.
• التموضع العسكري والسياسي:
استغل الإسلاميون حالة الفوضى لاستعادة نفوذهم بعد أن أُقصوا عقب سقوط نظام "البشير"، وباتوا يشكلون شبكة واسعة تدعم الجيش السوداني، متخذين من الحرب أداةً لإعادة إنتاج النظام السابق بصيغ جديدة، حيث يتموضع الإخوان المسلمون في السودان حاليًا كفاعل رئيس ومؤثر في الصراع العسكري والسياسي المستمر منذ أبريل 2023م، ويعمل التنظيم على اعتماد استراتيجية "التلون التنظيمي" أو "الحرباء"، فقد انتقل من العمل كحزب سياسي معلن إلى شبكة نفوذ واسعة تتحالف مع الجيش، وهو ما يعبر عن التموضع العسكري الجديد، وذلك عبر إنتاج نفسه من خلال واجهات متعددة تتناسب مع طبيعة كل مرحلة تاريخية؛ متجنبًا العودة إلى الواجهة لتفادي الضغوط الداخلية والدولية، وقد اتبع التنظيم أدوات لتنفيذ استراتيجية إعادة التموضع العسكري من خلال:
- الآلة التعبوية، واجتذاب قوة "المستنفرين":
أسهمت الجماعة في حشد وتجنيد آلاف المقاتلين (المعروفين بالمستنفرين) للقتال إلى جانب القوات المسلحة السودانية ضد قوات الدعم السريع.
- الكتائب المتحالفة: تعتمد الجماعة على كتائب وتشكيلات ذات مرجعية إسلامية للقتال على الخطوط الأمامية، وتعمل كقوة رديفة للجيش السوداني.
- إطالة أمد الصراع: تُشير تقارير دولية ومراقبون إلى أن "جناح الحرب" داخل التيار الإسلامي يمارس ضغوطًا لرفض مسارات التسوية والتفاوض، مما يجعل الحل السلمي أكثر تعقيدًا.
بينما يتمثل التموضع السياسي لإخوان السودان في الآتي:
- تدوير النخبة الإسلامية وتجديد الدماء بالشبيبة:
اختيار "علي أحمد كرتي" رئيسًا للتيار الإسلامي بالسودان لمرات متكررة لم يكن صدفة، بل مجاهرة بالنخب التي كانت تحرك اللعبة السياسية في السودان في الخفاء، فقد ارتبط اسمه لعقود بالمراكز الصلبة للسلطة في عهد الرئيس المعزول "البشير"، وبرز في تسعينيات القرن الماضي كأحد قادة "الدفاع الشعبي"، وهو التشكيل شبه العسكري الذي اعتمد عليه نظام الإنقاذ في الحرب الأهلية بجنوب السودان، إلى جانب علاقاته الوثيقة مع الجيش، ناهيك عن صعود "محمد الأمين أحمد" إلى الأمانة العامة كعملية انتقال مدروسة من جيل "التأسيس العسكري والتنفيذي" الذي مثله المهندس "عبد الواحد يوسف" (والي شمال دارفور الأسبق)، إلى جيل القيادات الشابة التي لم تتلوث صورتها الذهنية بالعمل الحكومي المباشر في عهد "البشير".
- إيجاد واجهات جديدة، وحواضن مدنية: كتأسيس "الكتلة الإسلامية"، وهي تحالف جديد لقوى الإخوان ومؤيديهم، يمثل واجهة داعمة لموقف الجيش، كما تمثل حركة "المستقبل للإصلاح والتنمية" حلقة جديدة ومطورة في سلسلة الواجهات السياسية التي تشكلها الحركة الإسلامية السودانية، وهي تعبر عن استراتيجية "التشبيب" بإحلال وجوه شابة جديدة لتجاوز عقبات الماضي السياسي المرتبط بعهد "الإنقاذ"، مع الحفاظ على ذات المنهج التنظيمي.
- التحالفات البراجماتية: حيث وسّع التنظيم شبكة علاقاته لتشمل كيانات ذات مرجعية دينية، كبعض الطرق الصوفية وزعماء الإدارات الأهلية، في محاولة لتوسيع قاعدتهم الشعبية والسياسية، وكسب مزيد من المؤيدين.
• توظيف التباينات الاجتماعية والمناطقية:
تسعى جماعة الإخوان إلى تعميق وتوظيف الاختلافات الاجتماعية والعرقية بين المناطق المختلفة في السودان، واستثمارها في تنمية الشكوك وتعزيز التفكك بين أطياف المجتمع المحلي، بما يخدم مصالح الإخوان في البلاد، لتجنب توحد قوى المجتمع التي قد توقف القتال، وتحاسب أعضاء التنظيم، وهو ما يسعون لتلافيه، كما يعملون على فرض نفسهم كطرف يصعب تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية إفلاتًا من المحاسبة، واستغلال وضع القوى المدنية المنهكة.
• الدعم الخارجي والتشبيك:
كشفت تقارير أمريكية ارتباط جماعة الإخوان السودانية بقنوات اتصال وتنسيق مع القيادة العسكرية الإيرانية لتقديم الدعم اللوجستي في حرب السودان، وساعدت "جماعة الإخوان المسلمين" في السودان في تجنيد ما يزيد على 20 ألف مقاتل لقوات البرهان خلال الحرب في السودان، وقد تلقى العديد منهم تدريبات على يد "الحرس الثوري الإيراني"، وأن السودان أضحى بمثابة مخلب قط ضد كل دول الجوار بسبب سياسة الجماعة، ومشروعها الذي يسعى إلى قلب الأنظمة السياسية في هذه الدول، ما أدى لتصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب وفرض عقوبات على نظام الحركة الإسلامية استمرت ثلاثين عامًا.
تصنيف تنظيم الإخوان دوليًا كجماعة إرهابية
في 16 مارس 2026م، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية "جماعة الإخوان المسلمين" في السودان كمنظمة إرهابية، وهو قرار جاء في لحظة حرجة وسط تصاعد التدخل الإيراني في الحرب السودانية، وتعميق اندماج الجماعة في الجهاز العسكري السوداني، وتراجع اهتمام واشنطن بالسودان، مما يجعل علاقة الجيش بقيادة "البرهان" بهذه الجماعة على المحك، ويفرض على عدد من الدول الإقليمية قيودًا حول الدعم الذي تقدمه للجيش السوداني الذي يقيم علاقات وطيدة مع هذه الجماعة، لاسيما مع الهجمات الإيرانية على دول الخليج؛ مما دفع "البرهان" لإعلان التبرؤ من وجود علاقة للجيش بهذه الجماعة، ولكنه لم يتخذ خطوات ناجعة كإقصاء العناصر الإسلامية في الجيش، وتجميد الأصول المالية للجماعة، واتخاذ خطوات حقيقية نحو التفاوض الجاد لحل الأزمة السودانية.
وأخيرًا، نجد أن وجود تنظيم الإخوان وتغلغله في مفاصل الدولة السودانية سواءً تصدر المشهد أم لا، أو غيرت هذه الجماعة من أسماء كياناتها أو جددت دماء أعضائها واعتمدت وجوهًا جديدة، هو بمثابة مرض ينخر في أساس الدولة السودانية، ولا بدَّ من إيقاف تشعبه والقضاء عليه، وتحجيمه قدر الإمكان، إنهاءً لحالة الصراع الداخلي، وفرارًا من حقب الظلام والتطرف والصراع، إلى الديمقراطية واحترام حقوق المواطن والمواطنة والتعايش السلمي، وخروجًا من العزلة الخارجية التي فرضها حكم الإخوان على السودان، حيث فتح البلاد على مصرعيها لجميع المتطرفين في العالم، وجعل منها ساحة مفتوحة للصراع مع القوى الدولية والإقليمية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...