الزبير محمد علي

 

في المقال الأول تناولنا كيف تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى غرفة عالمية واحدة تتطلب من المسلم أن يكون سفيرًا لدينه بقيمه وأخلاقه. واستعرضنا معركة رأس المال المهدد وهو الوقت، وكيف يقتضي الوعي الرقمي فقه التوازن بين العبادات والواجبات المهنية والمسؤوليات الأسرية والاجتماعية. كما حذرنا من السقوط في مصائد خطوات الشيطان كالمحتوى المبتذل وغياب غض البصر الرقمي، وأكدنا على أمانة الكلمة في عصر التضليل والشائعات التي تشبه النهج الفرعوني القديم في تزوير الحقائق.

في هذا المقال نستكمل الحديث عن قيم أخرى لا تقل أهمية عما سبق، وينبغي للمسلم أن يجسدها في وسائل التواصل الاجتماعي لتكون مشاركاته فيها مُعبرة عن قيمه وأخلاقه.

 

إنصاف الخصوم وأدب الاختلاف

 

من أشد الآفات برُوزًا في المنصات الرقمية، غياب الإنصاف وسيادة السخرية ولغة التنابز بالألقاب، وبث خطاب الكراهية والعنصرية استنادًا إلى الانتماء القبلي أو السياسي أو المذهبي أو الوطني أحيانًا. إن الخصومة مع شخص أو جماعة لا تبيح للمسلم -بأي حال من الأحوال- التجريم بغير دليل، أو الرمي بالظنون ولنا في القرآن الكريم القدوة فعندما تحدث عن أهل الكتاب -وهم قد خالفوا الحق- لم يظلمهم ولم يعمم عليهم حكم الخيانة بل قال بإنصاف: "وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ"، فإذا كان اللهُ تعالى ألزم نفسه بالعدل عن الذين عصوه وخالفوا أمره، فكيف يبيح المسلمُ لنفسه أن يتجاوز العدل والإنصاف في التعامل مع المختلفين معه من أبناء الدين الواحد والوطن الواحد؟

 

 

خيانة المجالس الرقمية

 

رأينا مَنْ يقوم بنشر محادثة خاصة بتصوير الشاشة، أو تسجيل مكالمة دون إذن صاحبها، أو فتح مكبر الصوت ليتلصص الآخرون على خصوصية المتحدث في لحظة خصومة أو غفلة. بل حتى في الفتاوي هناك مَنْ يفتعل طلب الفتوى ثم يسجل الإجابة ليدمر بها سمعة المفتي. إن ما كان خاصًا يجب أن يظل خاصًا، والمجالس بالأمانة ولا يجوز نشرها دون إذن أصحابها ويُستثنى من ذلك المجالس التي يُراد بها ارتكاب جرم عظيم كإراقة دم حرام، أو هتك عرض، أو سرقة مال فحينها يكون النشر لمنع الضرر ورفع الظلم لا لغرض الفضيحة والتشهير.

 

إننا اليوم أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية تتطلب منا وقفة جادة مع أنفسنا، ومع ما نتابع وننشر في هذه الوسائل، وهنا يجب على صناع المحتوى أن يجسدوا قيم دينهم لا أن يبيعوها من أجل تحصيل مال أو شهرة زائفة عبر تقديم محتويات مبتذلة تستخف بالعقول وتُدني من مستوى الوعي الديني والوطني للمتابعين. كما يجب على المتابعين أن يُشهروا سلاح المقاطعة لكل صفحة أو حساب يُميّع الأخلاق أو يُشيع الفاحشة أو ينشر الشائعات أو يعمل على تغييب الوعي أو إثارة الفتن.

 

وفي الختام، علينا أن نتذكر أن شاشات الهواتف التي بين أيدينا ما هي إلا صحائف أعمال تُكتب بلمسات أصابعنا فإما أن تكون حسنات جارية وأثرًا طيبًا يعمر الأرض ويُنير القبر، وإما أن تكون أوزارًا وسيئات تلاحق صاحبها حتى بعد مماته. فلنقل للناس حسنًا ولنحاور بالتي هي أحسن، ولنجعل من منصاتنا الرقمية منارات للحق والعدل والخير لا الباطل والظلم والشر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...