الزبير محمد علي

 

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات تكنولوجية أو منصات للترفيه، بل تحولت في عصرنا هذا إلى غرفة عالمية واحدة يتشارك فيها البشر على اختلاف أديانهم وأعراقهم، يتواصلون ويتشاركون المعلومات والآراء والأفكار، مما يحتم على المسلم استحضار منظومة القيم الإسلامية لتكون مشاركاته الرقمية مجسدة للقيم، وليكون سفيرًا لدينه في هذا العالم الافتراضي الواسع.

 

إن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وبالتالي يصبح استخدامنا لهذه الوسائل امتدادًا لمحيانا الذي يجب أن يكون لله، وضمن منظومة أخلاقية مستقيمة.

 

رأس المال المهدد

 

أولى المعارك التي يخوضها المسلم المعاصر على هذه الوسائل، هي معركة الوقت. الوقت الذي أقسم الله به في كتابه في مواضع شتى، هو رأس مال المسلم والنعمة المغبون فيها كثير من الناس. إن الدخول إلى هذه الوسائل بلا هدف محدد أو وعي مسبق هو تبديد للعمر الذي سيُسأل عنه المسلم بين يدي ربه.

 

والوعي بالوقت يجرنا إلى فقه التوازن الرقمي وعدم التضحية بالواجبات الدينية والاجتماعية، فلا يمكن شرعًا ولا عقلًا أن تطغى هذه الوسائل حتى على أوقات العبادة وذكر الله، أو على الواجبات المهنية في العمل أو الاجتماعية في البيت ومع عموم الأرحام. إن تقصير الموظف، أو المعلم، أو الطبيب في أداء واجباتهم تجاه الناس بسبب انشغالهم بهواتفهم هو إخلال بأمانة العمل، كذلك تقصير المسلم في حقوق والديه وزوجته وأبنائه وأرحامه، وهنا نتذكر المبدأ النبوي الذي يمنحنا التوازن، قال رسولُ اللهِ ﷺ: "فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ".

 

بين التواصل المشروع ومصائد خطوات الشيطان

 

 أتاحت هذه الوسائل مساحات للتواصل الإيجابي المنشود، كصلة الأرحام، ومجموعات العمل، والحوارات التخصصية المفتوحة بين الجنسين من أطباء ومعلمين ومثقفين بضوابط الآداب العامة. لكن في المقابل، تبرز خطوات الشيطان في جوانب خفية كالفيديوهات المبتذلة التي انتشرت انتشار النار في الهشيم والتي تعصف بأخلاق الشباب المسلم، وكذلك الدردشات المصورة والخاصة بين الشباب والشابات التي تتجاوز حدود الأخلاق والقيم، أو الاستسلام لمشاهدة الفيديوهات المبتذلة والصور الفاضحة التي تثير الغرائز وتُهلك الجسد والروح، مما يذكرنا أيضًا بقيم مثل غض البصر الرقمي في المشاهدة، والالتزام بالقيم في العلاقات بين الجنسين (ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).

 

أمانة الكلمة في عصر التضليل الفرعوني

 

وهذا أكبر امتحان يُواجه المسلم اليوم، لأن الكلمة في حقه مسؤولية عظمى وأمانة ثقيلة (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). إن الصدق والتثبُّت في نقل الأخبار ليسا مجرد خيارين إن شاء التزم بهما المسلم وإن شاء تركهما، وإنما هما واجبان شرعيان؛ فالإشاعات والأخبار المجهولة التي ربما تكون من جنس الكلمات التي تهوي بناشرها في جهنم سبعين خريفًا

خاصة التي تزرع الفتن في المجتمعات وتشتعل بسببها الحروب التي تهلك الحرث والنسل. ومؤسف أن يمارس المسلم تزوير الحقيقة وهو نهج وثني قديم مارسته الأمم الهالكة التي تحدث عنها القرآن ضد الرسل عليهم السلام، ومارسه فرعون أيضًا باحترافية ضد موسى وهارون عليهما السلام؛ حيث سخر ماكينته الإعلامية للترويج بأنهما يسعيان للإفساد في الأرض والسعي لإخراج أهل مصر من أرضهم ليرثاها وبني إسرائيل!

 

إن هذا التزوير للحقائق يتكرر اليوم عبر غرف موجهة، والمشاركة في نشر هذه الأباطيل تجعل المسلم شريكًا في الجرم، غافلًا عن حقيقة (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، فهل نتعظ؟

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...