عاطف عبدالله

 

في لحظة تاريخية حرجة، يستمر فيها نزيف الدم وتتسع دائرة المعاناة الإنسانية، التقت قوى سياسية ومدنية سودانية مناهضة للحرب في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يومي 22 و23 أغسطس، في محاولة جادة لبناء جبهة مدنية واسعة وواعية، تسهم في وضع حدٍّ لهذه المأساة الوطنية، وتفتح أفقًا أمام حلٍّ سياسيٍّ شامل يعيد إلى السودان وحدته وسلامه واستقراره.

ضم الاجتماع ألوانًا متعددة من الطيف السياسي والمدني السوداني؛ من القوى الموقعة على "إعلان المبادئ"، والأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب الأمة بتياراته المختلفة والمؤتمر الشعبي، إلى جانب الحركات المجتمعية والشبكات النسوية والشبابية. وكان من بين الحضور الشاعر الكبير عالم عباس، بحضوره البهي، متكئًا على عصاه كعروة بن الورد، يجسد معاني العدالة الاجتماعية في أبهى صورها، وينشد للسلام مثلما أنشد طويلًا للحرية والعدالة.

إن أي جهد يرمي إلى توحيد الخطاب المدني والمطالبة بوقف الحرب يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. غير أن النجاح الحقيقي لأية مبادرة وطنية يتوقف على مدى اتساع مظلتها، وقدرتها على استيعاب الرؤى المختلفة، وتجاوز الخلافات الثانوية من أجل الهدف الأكبر: وقف الحرب وإنقاذ الوطن.

ومن هذا المنطلق، لا بدَّ من توجيه أسئلة مهمة ومباشرة إلى القوى السودانية التي تطالب بوقف الحرب، لكنها اختارت عدم المشاركة في هذا الاجتماع، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي السوداني وقوى التغيير الجذري:

أولًا: ما البديل العملي المتاح لوقف الحرب؟

إن مقاطعة الجهود الجامعة، أو الامتناع عن المشاركة فيها، يضع على عاتق الممتنعين مسؤولية تقديم بديل سياسي وعملي قادر على الإسهام في إنهاء هذه الكارثة. فإذا لم تكن طاولة أديس أبابا هي المساحة المناسبة، فما المنصة التوافقية التي ترونها قادرة على جمع القوى المناهضة للحرب وتوحيد موقفها؟ وما خطتكم العملية للضغط على طرفي النزاع من أجل وقف إطلاق النار؟

لا يكفي رفض المبادرات أو انتقادها، مهما كانت الملاحظات عليها مشروعة، من دون طرح بديل قابل للتحقق، وقادر على مخاطبة الواقع بكل تعقيداته.

ثانيًا: هل نملك ترف الانتظار؟

إن إطالة أمد الحرب تعني مزيدًا من القتل والتدمير والنزوح والتهجير، وانهيارًا متواصلًا لمؤسسات الدولة والبنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. وكل يوم يتأخر فيه توافق القوى المدنية يضاعف تعقيدات المشهد، ويُضعف الصوت الداعي إلى السلام في مواجهة صوت السلاح.

لقد تجاوزت الحرب مرحلة الصراع على السلطة، وأصبحت تهدد بقاء السودان نفسه: أرضًا وشعبًا ودولة. ولذلك، فإن الانتظار أو التمترس خلف الخلافات القديمة لم يعد موقفًا سياسيًا مأمون العواقب، بل أصبح مظهرًا من مظاهر العجز المدني الذي يتيح لقوى الحرب الانفراد بتقرير مصير البلاد.

ثالثًا: ما حدود التباينات التي تمنع اللقاء؟

مهما بلغت الاختلافات الفكرية والأيديولوجية والسياسية بين القوى الوطنية، فإن الحفاظ على وحدة الوطن ووقف استنزاف الإنسان السوداني ينبغي أن يمثلا الحد الأدنى الذي تلتقي عنده جميع الإرادات.

ليس مطلوبًا من أي طرف أن يتخلى عن رؤيته أو برنامجه، ولا أن يذوب في مشروع الآخرين؛ إنما المطلوب هو الاتفاق على أولويات عاجلة ومحددة: وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة السودان، وتهيئة الطريق أمام عملية سياسية مدنية شاملة.

فإذا لم توحّدنا هذه الأولويات في أحلك لحظات تاريخنا، فما الذي يمكن أن يوحّدنا؟

كلمة "الميدان" وحوار البرهان

لقد اطلعت على كلمة صحيفة "الميدان" الصادرة في 22 أغسطس 2026، والمعنونة: "الحوار في زمن الحرب: أي سلام وأية ديمقراطية؟"، وهي كلمة مطولة كُرست في معظمها للرد على ما أُطلق عليه "حوار الداخل" أو "حوار البرهان"، الذي ترى الصحيفة أنه لن يؤدي إلا إلى تكريس الوضع الراهن وشرعنته، وربما تعميق الانقسام وتهيئة الطريق لتقسيم البلاد.

وهذا موقف يمكن تفهّم دوافعه ومناقشة حججه. غير أن اللافت أن ما جاء في الكلمة، سواء في جوهره أو أهدافه العامة، لا يختلف كثيرًا عما انتهت إليه الورقة الصادرة عن اجتماع أديس أبابا، ولا سيما في رفض دعوة البرهان إلى حوار مضلل يسعى إلى شرعنة سلطة الأمر الواقع وتكريس الانقسام، والتحذير من إعادة إنتاج الحكم العسكري، والتأكيد على ضرورة وقف الحرب وإقامة سلام حقيقي يفضي إلى تحول مدني ديمقراطي.

وهنا يبرز السؤال: إذا كانت هناك هذه المساحة الواسعة من الاتفاق في تشخيص الأزمة وتحديد المخاطر، فلماذا ظل الحزب الشيوعي يرفض المشاركة في مثل هذه الاجتماعات التي كان يدعى إليها؟

كان في مقدور الحزب أن يحضر، وأن يعبِّر من داخل الاجتماع عن ملاحظاته وتحفظاته، وأن يقدم رؤيته البديلة بوضوح، ويوصل صوته إلى القوى السياسية والمدنية المشاركة، وكذلك إلى المجتمعيْن الإقليمي والدولي. فالمشاركة لا تعني الموافقة المسبقة، ولا تستوجب التنازل عن المواقف المبدئية؛ بل تتيح فرصة للتأثير في مسار الحوار، وتطوير مخرجاته، وتصحيح ما يراه الحزب من أوجه قصور.

أما المقاطعة المتكررة، من دون تقديم منصة بديلة قادرة على جمع القوى المناهضة للحرب، فإنها تترك الساحة للآخرين كي يقرروا في غياب الحزب، وتحرمه من فرصة التأثير المباشر في صياغة المواقف والمبادرات.

وفي هذا السياق، لا بدَّ من استحضار سيرة الراحل محمد إبراهيم نقد، الذي لم تمنعه خلافاته الفكرية والسياسية العميقة مع الدكتور حسن الترابي من أن يضع يده في يده، سعيًا إلى تحقيق الإجماع الوطني. رحم الله نقد؛ فقد أدرك أن الحوار مع المختلف لا يعني التنازل عن المبادئ، وإنما قد يكون ضرورة تمليها مصلحة الوطن في لحظاته المفصلية.

نداء إلى الشركاء: لا بديل عن الحوار الشامل

إن دعوتنا إلى القوى الممتنعة ليست دعوة إلى الالتحاق بمشروع جاهز، أو التوقيع على أوراق أُعدت سلفًا، أو التخلي عن الرؤى والبرامج الخاصة. إنها دعوة مفتوحة إلى المشاركة في التأسيس وصناعة المشروع المشترك، وإلى الانتقال من موقع النقد والتحفظ إلى موقع الفعل والمبادرة.

إن الوطن يتسع للجميع، ولا مجال في هذه المرحلة الدقيقة لإقصاء أي طرف يرفض الحرب ويحمل همّ السودان. كما لا ينبغي لأية قوة وطنية أن تقصي نفسها بنفسها، أو تترك مقعدها شاغرًا، ثم تعترض على القرارات التي تُتخذ في غيابها.

إن تقديم الرؤى والتصورات البديلة، حتى وإن اختلفت جذريًا مع بعض ما أفرزه اجتماع أديس أبابا، يمثل شرطًا أساسيًا لبناء عملية سياسية ناضجة وتوافق وطني حقيقي. فالحوار لا يكون بين المتفقين وحدهم، وإنما تبرز قيمته الحقيقية عندما يجمع المختلفين حول الحد الأدنى الضروري لإنقاذ الوطن.

لسنا في حاجة إلى تحالفات جديدة بقدر حاجتنا إلى تفاهمات جديدة، تجمع القوى المدنية عند حدٍّ أدنى واضح: وقف الحرب، وحماية المدنيين، والمحافظة على وحدة السودان، واستعادة المسار المدني الديمقراطي، ومنع عودة النظام القديم أو إعادة إنتاج الاستبداد بأية صورة جديدة.

لقد دقت ساعة الاختيار: إما أن تتقدم القوى المدنية، مجتمعة، لتصنع طريق السلام والتحول الديمقراطي، وإما أن تواصل قوى الحرب والانقسام رسم مستقبل البلاد بقوة السلاح. والتاريخ لن يرحم مَنْ اختار الغياب في اللحظة التي كان فيها حضوره ضرورة وطنية.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...