ادفع بالتي هي أحسن

د. عبد المحمود أبو

التنوع والهوية

جاء مصطلح الهوية في اللغة العربية من كلمة "هو"، والهوية هي مجمل السّمات التي تُميّز شيئًا عن غيره أو شخصًا عن غيره أو مجموعة عن غيرها، كلٌّ منها يحمل عدة عناصر في هويته. عناصر الهوية هي شيء متحرك يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى. يقول الدكتور محمد عمارة: "الهوية في عرف حضارتنا العربية الإسلامية مأخوذ من "هو... هو" بمعنى: جوهر الشيء وحقيقته. فهوية الإنسان، أو الثقافة، أو الحضارة. هي: جوهرها وحقيقتها. ولما كان في كلِّ شيء من الأشياء -إنسانًا أو ثقافة أو حضارة- الثوابت، والمتغيرات، فإن هوية الشيء هي ثوابته، التي تتأصل ولا تتغيّر، تتجلى وتُفصح عن ذاتها، دون أن تُخلي مكانها لنقيضها، طالما بقيت الذات على قيد الحياة! إنها كالبصمة بالنسبة للإنسان، تتجدّد فاعليتها، ويتجلى وجهها كلما أُزيلت من فوقها طوارئ الغبار وعوامل الطمس والحجب، دون أن تخلي مكانها لغيرها من البصمات!

هنالك نوعان من الهوية: الهوية الشخصية، والهوية الجمعية. فالهوية الشخصية تعرّف شخصًا بشكله واسمه وصفاته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده. الهوية الجمعية (وطنية أو قومية) تدلُّ على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميّزهم عن مجموعات أخرى. أفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التي كوّنتهم كمجموعة، وربما يختلفون في عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة. فما يجمع الشعب الهندي مثلًا هو وجودهم في وطن واحد ولهم تاريخ طويل مشترك، وفي العصر الحديث لهم أيضًا دولة واحدة ومواطنة واحدة، كلُّ هذا يجعل منهم شعبًا هنديًا متمايزًا بالرغم من أنهم يختلفون فيما بينهم في الأديان واللغات وأمور أخرى.

برزت مسألة الهوية باعتبارها عنصرًا رئيسًا للتوتر العرقي، الذي أدى إلى صراعات عنيفة في أجزاء مختلفة من العالم، خصوصًا خلال العقدين الماضيين. إن ظهور الاتّجاهات المحافظة (القومية- العرقية- في مواجهة الهوية الوطنية)، (الإحياء الديني والسلفية- العودة للأصول) والحركات الوطنية العرقية؛ من أجل الاعتراف بالهوية والحكم الذاتي، هي حقائق واضحة في العالم المعاصر، ولها تأثيرات بعيدة المدى في زيادة تحديات التنوع في المجتمعات الجمعية.

فالخصائص التي تُميّز شعبًا مَّا عن غيره، تُمثل هويته التي يعتز بها، ويدافع عنها، ويضحِّي حتى بروحه في سبيل بقائها، والرابط العرقي من أبرز هذه الروابط، "ومع أن دور الرابط العرقي قد قلّ كثيرًا مع حياة المدنية الحديثة؛ حتى صار معظم الناس لا يعرفون أصولهم، ولا يكترثون بالبحث عن أعراقهم؛ إلا أنه ما زال له دورٌ مهِمٌ في بعض المناطق، وخاصة إذا كان أصحاب العرق الواحد يشعرون بالغبن والاضطهاد في البلد الذي يعيشون فيه؛ ومن ثم فإنهم يبحثون عن رابطة أخرى غير رابطة الوطن تجمعهم، وقد تكون هذه الرابطة هي رابطة العرق، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك مثال العرق الكردي، فالأكراد يبحثون عن رابط العرق ليربطهم، وينظرون إلى حلم يترقبونه، وهو تكوين دولة لم يشهد التاريخ مولدها حتى هذه اللحظة، وهي دولة "كردستان"، ولم يتنام عندهم هذا الشعور إلا لشعورهم بالتهميش في الدول الخمس التي يعيشون فيها؛ وهي: "العراق، وسوريا، وتركيا، وإيران، وأرمينيا"، فصار العرق بذلك مجمعًا لهم، ومجددًا لآمالهم.

إنَّ الإقصاء، والاضطهاد، ومحاولة إلغاء الآخر؛ نهج يؤدي إلى ظهور التعصُّب للأعراق، ومن ثمَّ يدفع إلى حروب مُدمِّرة، "وكما أنّه ما زال للعِرق دور في تجميع وتعارف مجموعات من البشر، فإنه ما زال كذلك سببًا كارثيًا من أسباب الصّدام؛ فالحروب التي تقوم على أساس العِرق حُروب شرسة يمتد أثرها لعقود، وهي جريمة بكل المقاييس، وصار العالم يتعارف الآن على هذا التجريم لهذه الحروب، والتي تعرف بجرائم "التطهير العرقي"؛ لأن البشر لا يدَ لهم في أعراقهم، ولا يملكون تغييرها، ولا يختارونها أو يستبدلونها؛ ومن ثم فهي حروب لا جدوى لها، وليس هناك مبرر عقلي ولا أخلاقي مقبول وراءها، وما أبلغ الوصف الذي وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذه الحرب العرقية، حين وصفها بأنها: "دعوى أهل الجاهلية"، فمن الجهل حقًا أن نتصادم لأن أعرقنا مختلفة، مع أنه لم يختر أحدنا هذا العرق أو غيره"، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها منتنة".

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...