ادفع بالتي هي أحسن

د. عبد المحمود أبو

صيانة الكرامة الإنسانية

طبيعة الإنسان تأبى أن تُنتهك حرماته، أو تُصادر ممتلكاته، أو تُغتصب أرضه، أو يُطرد من بيته، وموطنه، أو يتعرض جسده للتعذيب والامتهان في غياهب السجون والمعتقلات، أو يتعرّضه أحد بظلم أو عدوان؛ لذلك لا يختلف اثنان -مهما اختلف طبعهما ولونهما وعقيدتهما– على أن كرامة الإنسان هي أعز ما يملكه، والكرامة تتمثل في مجموع الصفات التي تتميز بها الشخصية الإنسانية، وتتعلق بالفطرة التي جعلها الله سبحانه وتعالى خصيصة إنسانية. قال تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" [الإسراء:70].

إن تحقيق متطلبات الفطرة يؤدي إلى صون الكرامة، التي هي من المعنويات، ويمكن تلخيص عواملها في مجموع الخصائص الإنسانية المتمثلة في: الحرية، والإرادة، والعقل. هذه الثلاثية هي التي ميزت الإنسان عن بقية المخلوقات، فصونها يحقق الاحترام للكرامة، وانتهاكها يؤدي إلى عواقب وخيمة.

        إن كثيرًا من الحروب التي وقعت بين بني البشر كان سببها الدفاع عن الكرامة: فحرب البسوس التي وقعت بين بكر وتغلب، كان سببها انتهاك الكرامة، والحروب الدينية التي وقعت في كثير من بلاد العالم، كانت بسبب العدوان على العقائد، والعقيدة تمثل قمة الكرامة للإنسان، وحروب التحرير ضد المستعمرين والمحتلين، دافعها الشعور بإهانة الكرامة.

إن التعاليم الإسلامية حثت على المحافظة على كرامة الإنسان، وحذرت من المساس بها. والعوامل التي تخدش الكرامة كثيرة منها: الإساءة اللفظية، وانتهاك الخصوصية، والاعتداء على الحرمات الشخصية، والغمز، واللمز، إلى غير ذلك.. قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ" [الحجرات:11-12]، ذهب المفسرون إلى أن السخرية، معناها: الاستهزاء. يقول الحافظ ابن كثير: "ينهى الله تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم، والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الكبر بطر الحق وغمص الناس"، ويروى "وغمط الناس" والمراد من ذلك: احتقارهم، واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المُحْتَقَرُ أعظم قدرًا عند الله، وأحب إليه من الساخر منه المُحْتَقِرِ له؛، وذكروا أسبابًا متعددة لنزولها منها: ما قاله الضحاك: "أنها نزلت في وفد بني تميم، استهزأوا بفقراء الصحابة؛ مثل عمار وخباب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم؛ لما رأوا من رثاثة حالهم. فنزلت في الذين آمنوا منهم". وقال مجاهد: "هو سخرية الغني من الفقير".

        وقال ابن زيد: "لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله؛ فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة". وقيل نزلت في عكرمة ابن أبي جهل حين قدم المدينة مسلمًا؛ وكان المسلمون إذا رأوه قالوا ابن فرعون هذه الأمة. فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت.

يقول القرطبي: "وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رثّ الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته؛ فلعله أخلص ضميرًا، وأنقى قلبًا، ممن هو على ضد صفته؛ فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله، والاستهزاء بمن عظّمه الله. ولقد بلغ بالسلف إفراط توقّيهم وتصوّنهم من ذلك، أنْ قال عمرو بن شرحبيل: "لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا فضحكت لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع". وعن عبد الله بن مسعود قال: "البلاء موكل بالقول؛ لو سخرتُ من كلبٍ لخشيتُ أن أحوّل كلبًا". فدل ذلك على أن صيانة الكرامة الإنسانية، قيمة اتّفقتْ عليها الشرائع السماوية، والمواثيق الدولية.

لقد وردت النصوص السابقة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المصدرين الأساسيين للتشريع في الإسلام.

وفي العصر الحديث؛ نصت المواثيق الدولية، على الكرامة الإنسانية، وضرورة صيانتها، والمحافظة عليها؛ حيث نصت المادة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان على الآتي: "يولد جميع الناس أحرارًا، متساوون في الكرامة، والحقوق. وهم قد وُهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء". لكن الممارسات العملية جاءت في كثير من الأحيان مخالفة لهذا النص العالمي.

إن صيانة الكرامة الإنسانية قيمة اتّفقتْ عليها الشرائع السماوية، والمواثيق الدولية؛ بل إنها تعلو عند بعض الشعوب حتى تربو على الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب، وقديمًا قال العرب: "تجوعُ الحُرَّة ولا تأكل بثَديَيِها"، فألمُ الجوع أهْونُ ألفَ مرَّة من ألم خَدْش الكرامة؛ بل الموتُ أحيانًا يُصبح مرغوبًا إذا كان دفاعًا عن الكرامة، وما أروع ما قاله عنترة بن شداد وهو يصف تقديره لهذا المشترك الإنساني العام:

لا تَسقني ماءَ الحياة بِذِلَّةٍ         بلْ فاسقِني بالعِزِّ كأس الحنظَل

فالحياة الذليلة ليست في واقع الأمر حياة، ومن لم ينظر إلى هذا المشترك بعين الاعتبار فهو يبحث عن صدام لانهاية له!

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...