ادفع بالتي هي أحسن
د. عبد المحمود أبو
مخاطر سوء إدارة التنوع
التنوع له فوائد كثيرة تتمثل في تعدد الخيارات، وتبادل المنافع، وإثراء الحياة، وإضفاء حيوية في فضاءاتها. وللتنوع أيضًا مضار جسيمة إذا فقد حسن الإدارة، وتكمن مضاره في: التعصب، والتمييز السلبي، القائم على المحاباة، والمحسوبية، وتفضيل أصحاب الولاء على غيرهم؛ مما يستدعي العنف والنزعة الإقصائية. وعوامل النزاع كثيرة في المجتمعات المتنوعة التي تفتقد العدل في إدارة التنوع، وأهم عوامل النزاع، ومسبباته، تتعلق بخدش الكرامة، والظلم، ومحاولات الإقصاء، والتي تؤدي إلى الصراع حول الهوية، وتوزيع الثروة والسلطة.
فالتنوع واقع اجتماعي؛ موجود في معظم الدول، وتعيشه كل المجتمعات تقريبًا، غير أن بعض السياسات تتعامل معه بعدم الاعتراف، وتنكر وجوده، وتحاول فرض ثقافة واحدة، وعقيدة واحدة، وفكر واحد، ونمط واحد للحياة. هذا النهج المُنكر لوجود الآخر، من شأنه أن يؤدي إلى نزاع حول الوجود، فمعظم الحروب التي وقعت في تاريخ الإنسان، سببها محاولات استئصال الآخر ومحوه من الوجود، وترجع محاولات الإزاحة من الوجود والإفناء لعدة أسباب، منها: الحسد، وتوهَّم نقاء العنصر، وادعاء احتكار الحقيقة، والطمع في الثروات... وغير ذلك. فابنا آدم قتل أحدُهما أخاه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قبل عمل أخيه، ولم يقبل عمله، فحسده على هذا العطاء الإلهي، وقام بقتله. قال تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ" [المائدة:27-30]. قال البيضاوي: "توعّده بالقتل لفرط الحسد له على تقبل قربانه"، فكلاهما بحث عن المصلحة، وكان الفيصل في تحقيق هذه المصلحة الالتجاء لله تعالى، ولما اختار الله قربان أحدهما وهو هابيل، اغتاظ الآخر، وسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تحقيق المصلحة الذاتية من خلال التقاتُل والتحايُل، وبالفعل قتل أخاه من أجل مبتغاه! تلك التجربة الإنسانية الأولى إنما ذكرتها الكتب السماوية دليلًا على أن طريق الغاشمين الفاسدين واحد منذ بداية الخلق ووجود الإنسان على الأرض.
وكثير من المصلحين والأنبياء قوبلوا بالصدود، والإعراض، والمقاومة، من أقوامهم بسبب الحسد؛ لأن استقامة المصلحين، ودعوتهم المتكررة للإيمان والاستقامة، والتفاف الناس حولهم، توغِر صدور المعارضين وذوي السلطان؛ فيعملون بكل الوسائل لإزاحتهم؛ لأنهم يشكلون خطورة على مطامعهم وأهوائهم، فيحسدونهم على استقامتهم، ويحسدونهم على تقبُّل الناس لدعوتهم. قال تعالى: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّه مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً (54) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً" [النساء:54-55]، يقول الحافظ ابن كثير في تفسير ذلك "يعني بذلك حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل".
إن تاريخ الإنسانية مليء بالمظالم التي ارتكبها الإنسان ضد أخيه الإنسان من شاكلة العبودية والاستعمار، وحروب الاستئصال التي قادها التتار والصليبيون ضد الخلافة الإسلامية في بغداد وبيت المقدس والأندلس، وتعتبر تجربة الاستعمار الأوروبي من أسوأ الظواهر المُهدرة للكرامة الإنسانية، فالأوروبيون الذين اكتشفوا أمريكا، أسسوا دولتهم الجديدة على جثث السكان الأصليين الذين رحبوا بمقدمهم. "وقد قتل المستعمرون والمستوطنون حتى عام 1900م ما يقرب من 112 مليون هندي، ولم يتبقّ إلاّ ما يقرب من 400 ألف هندي فقط، ما يدلّل على وحشية ودموية الحروب التي اشترك فيها الجيش الأمريكي مع المستوطنين البيض في إبادة السكان الأصليين، ولو استعاض المستوطنون ثقافة الحرب بثقافة الحوار والتعارف، ومحاولة تعليم هذه القبائل سبل التقدم والرقي المدني، وعملوا على اندماجهم في المجتمع الجديد؛ لأدى ذلك إلى تعددية رائعة تفخر بها أمريكا الجديدة، التي نادت في عقودها الماضية بالحرية والسلام ونشر قيم الديمقراطية، وتناست أن ميراثها التاريخي مليء بالدم والنار".
إن تاريخ أوروبا الحديث شاهد على مآسٍ لا تكاد تحصى، من حيث إقصاء الآخر، وعدم الاعتراف به في تلك المجتمعات، وأبرز مثال على ذلك ما فعله هتلر في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، فضلًا عما ارتكبه في تلك الحرب العالمية من قتل لآلاف البشر، وإبادة كلَّ من لم يقبل الفكر النازي الوحدوي في أوروبا كلها، وكانت جرائمه فاجعة، ولقد أجبَر الألمان على قبول الفلسفة النازية العجيبة، ولم يجرؤ أحدهم على أن يرفع رأسه محتجًّا، ولقد طبع كل شيء بالطابع النازي الإقصائي، لدرجة أن أحد الزعماء النازيين ويدعى هرمان جورنج قال: "إن الألماني الحقيقي يفكر بدمه"، تلك الرؤية المخزية التي نلمسها في تلك القرون الغابرة، لم تتغير -للأسف– في واقعنا وعصرنا الحاضر؛ فكثير من الصراعات العرقية، والاضطرابات التي نشبت في عصرنا، سواء بين الصرب والمسلمين، أم بين الهوتو والتوتسي، أم الحرب الحالية في السودان؛ ليست في جوهرها حربًا دينية، كما أنها ليست صراعًا بين ثقافات أو حضارات، وليست ناتجة -أيضًا- عن أحقاد قومية قديمة، إنها في واقع الأمر حربٌ بسبب المطامع والمصالح تغذيها دوائر لا ترغب في الآخر إلًّا ولا ذمة، ووجدوا مدخلًا عند بعض أبناء الوطن الذين جعلوا مصالحهم الذاتية فوق المصالح الوطنية، ووجدوا ثغرة عند الجهلاء الذين لا يعترفون بالآخر، ولا يقبلون به.
يقول الشيخ محمد الغزالي "هذه العصبيات –بالبرغم مما يساندها من قوانين وتقاليد- هي في نظر الدين حماقة كبرى، والاعتراف بها هدم للأركان الأولى من الرسالات التي أنزلها الله هداية للعالمين، إذ قوام هذه الرسالات أن الإنسان مسؤول بنفسه عن نفسه، يقدمه ما اكتسب من خير فحسب، ويؤخره ما اكتسب من شر فحسب. ولا مكان في هذا الميزان القسط لتدخل بشر، كبير أو حقير. ولا حساب في تقويم شخص ما لوطنه أو نسبه. ولا اعتبار البتة لما تواضع الناس عليه من شارات الرفعة أو الخسة. ابن النبي أو البغي سيان. إن تأخر الأول في سباق الصالحات لم ينفعه حسَبُه. قال تعالى: "وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ" [هود:45-46]، وإن تقدم الأخير لم يضره نسبه. وقد أوضح الله هذه المبادئ لا في قرآن محمد فحسب؛ بل في كتب الأنبياء الأولين كذلك: "أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى" [النجم:36-42]، وتلك قاعدة تمليها العدالة المجردة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...