عامر علي الحاج
حين تتحوّل الحرب من وسيلة سياسية إلى مصدر رزق وسلطة ونفوذ اجتماعي لنخب محددة، يفقد السلام معناه بوصفه حلًّا، ويتحوّل إلى تهديد وجودي مباشر. فالسلام لا يعني فقط وقف القتال، بل يعني تفكيك منظومة كاملة من الامتيازات، وسحب شرعية بُنيت على السلاح، وإنهاء أدوار اجتماعية لم يكن لها أن توجد خارج سياق الحرب.
في السودان، لم تعد الحرب مجرَّد صراع على السلطة، بل أصبحت نظام حكم غير مُعلن، نظامًا يمنح سلطة مطلقة بلا رقابة، ويعفي القائمين عليه من أي التزام بالخدمات أو التنمية بحجة "الظرف الأمني"، ويوفّر موارد مالية خارج الموازنة العامة، وإنفاقًا بلا مساءلة، وترقّيًا اجتماعيًا قائمًا على العنف لا الكفاءة.
هذا الواقع لم يبدأ مع حرب 15 إبريل، بل سبقها بسنوات. فقد كُشِف مبكرًا أن السلطة الانتقالية المدنية كانت واجهة سياسية بلا أدوات سيطرة حقيقية، في مقابل مكوّن عسكري يهيمن على ما يُقدَّر بنحو (85%) من الموارد الاقتصادية الاستراتيجية: (المعادن، البترول، الاتصالات، النقل، والمصارف). بينما تُركت الحكومة المدنية بموازنة شبه خاوية، ممولة بالاستدانة الخارجية، ومنزوعة القدرة على التأثير الاقتصادي.
في هذا السياق، لم يكن انقلاب 25 أكتوبر 2021م حدثًا مفاجئًا، بل كان ردًّا وقائيًا على محاولة إدخال الملف الاقتصادي إلى طاولة التفاوض، وهو ملف أُقصي عمدًا من وثيقة أغسطس 2019م. ما إن اقتربت السلطة المدنية من سؤال: "مَنْ يملك الاقتصاد؟" حتى أصبح وجودها ذاته غير محتمل.
تتجلّى خطورة هذا الوضع في مثال الذهب. فقبل الحرب والانقلاب والتغيير السياسي، لم يتجاوز الصادر الرسمي في أفضل الأحوال نحو (14) طنًا سنويًا، مقابل إنتاج فعلي يُقدَّر بحوالي (70) طنًا. هذه الفجوة ليست خللًا فنيًا، بل دليلًا على اقتصاد ظلّ مسلّحًا، يعمل خارج الدولة، ويموّل مراكز قوى لا ترى في السلام مصلحة.
من هنا، يصبح سؤال الخروج من الحرب معقّدًا وخطيرًا: كيف يمكن التفاوض مع أطراف لا تحتاج إلى الدولة، ولا تخضع لرقابتها، ولا تخسر اقتصاديًا باستمرار الصراع؟
هل يُعاد إنتاج تجربة إغراء حملة السلاح بحصص في السلطة الانتقالية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر انقلاب جديد أو حرب جديدة؟
أم يُستثمر الاستنزاف الهائل الذي تسببت به الحرب -محليًا وإقليميًا ودوليًا- في بناء جبهة ضغط شعبي وسياسي تهدف إلى قصقصة أجنحة اقتصاد الحرب، وتجريد العنف من جدواه السياسية؟
الواقع أن السلام في السودان لن يكون نتاج تسوية نخب، بل نتيجة تفكيك البنية الاقتصادية للحرب. دون ذلك، ستظل أية تسوية مؤقتة، وكل انتقال هشًّا، وأية دولة مجرّد غلاف بلا مضمون.




التعليقات (0)
جاري التحميل...