عبدالله برير
يوظف الشاعر السوداني عمر الطيب الدوش المبالغة والمفارقة في بناء صور شعرية تتجاوز الوصف المباشر للمشاعر، محوّلًا الحالات النفسية إلى مشاهد حسية تكشف تعقيدات العلاقة بين الإنسان وذاته والآخرين والذاكرة.
في قوله: "كبرت كراعي من الفرح.. نص في الأرض نص في النعال"، يصوّر الدوش الفرح بوصفه قوة تتجاوز قدرة الجسد على احتوائها، في مبالغة تجعل القدم تكبر حتى تختل علاقتها بالنعال والأرض. وتكمن المفارقة في تحوّل شعور يفترض أن يمنح الإنسان الانطلاق إلى سبب في اضطراب توازنه.
وفي المقابل، تجسّد عبارة "ضاقت نعالي من الزعل.. من تحتها اتململ تراب" الحزن في صورة مادية؛ إذ يضيق الحيز المحيط بالجسد، ويتجاوز الاضطراب النفسي حدود الذات ليشمل علاقتها بالمكان. وتكشف المقابلة بين الصورتين عن آلية شعرية تجعل الفرح يوسّع الجسد، والحزن يضيّق المكان، في تعبير عن مشاعر يصعب نقلها بالوصف المباشر.
وفي مقاطع "سحابات الهموم"، تمتد المفارقات إلى الطبيعة والزمن والذاكرة. فعبارة "سحابات الهموم يا ليل بكن" تمنح السحب صفة إنسانية، محوّلة الطبيعة إلى مرآة للحزن، بينما تعبّر "بين السكات والقول" عن صعوبة الإفصاح عن التجارب التي تتجاوز حدود اللغة.
وتبرز المبالغة في "زمان مشدود على أكتاف خيول هجعن"، حيث يتحول الزمن المجرد إلى حمل مادي، فيما تبدو الخيول الساكنة عاجزة عن دفعه إلى الأمام. وتتيح الصورة قراءة الماضي بوصفه عبئًا يستمر أثره في الحاضر. وفي عبارة "وصوت ذكراك مكان يجري يلاقي السيل"، تكتسب الذكرى صوتًا وحركة، بينما يصبح النيل في "سر مدفون بصدر النيل" مستودعًا للأسرار، في تداخل بين الذاكرة المتحركة والماضي المستتر.
ويكشف تكرار "ولولا الذكرى ما في وصول.. ولولا الذكرى ما في أصول.. ولولا الذكرى ما في شجن" عن مفارقة تجمع الألم بالمعنى؛ فالذاكرة تستحضر الأسف، لكنها تحفظ الجذور وتتيح فهم التجربة واستعادة الصلة بالماضي. وبذلك تصبح مصدرًا للمعاناة والانتماء في الوقت نفسه.
وفي مقطع "وتمشي معاي خطانا الألفة والوحشة"، يجمع الشاعر بين حالتين متعارضتين ظاهريًا، ليعبّر عن إمكان اجتماع القرب والغربة داخل العلاقة الواحدة. وتتعمق المفارقة في قوله: "ولا البلقاه بعرفني.. ولا بعرف معاك روحي"، حيث يمتد الاغتراب من عجز الآخر عن معرفة المتكلم إلى اضطراب المتكلم في معرفة ذاته. فالعلاقة التي يُفترض أن تعزز الإحساس بالهوية قد تتحول إلى مساحة من الحيرة وفقدان الألفة مع النفس.
أما عبارة "ولا بنتِ ولا التذكار.. ولا كنتِ"، فتجمع بين الرغبة في محو الماضي واستمرار حضوره في الوعي؛ إذ يصبح استدعاء الغائب لنفيه دليلًا على بقاء أثره في التجربة العاطفية.
وتكشف هذه المقاطع عن أسلوب شعري يوظف اللغة اليومية لبناء صور تتجاوز معناها الحرفي، ويحوّل التناقضات النفسية إلى مفارقات تكشف تعقيد التجربة الإنسانية، حيث يتداخل الفرح بالاضطراب، والحزن بالمكان، والذاكرة بالألم، والحب بالاغتراب عن الذات.




التعليقات (0)
جاري التحميل...