طاهر المعتصم

في بلدٍ شُرّدت فيه الملايين، وتقطعت أوصال مدنه، وأُغلقت فروع مصرفية، وتبعثر الناس بين النزوح واللجوء والاغتراب، تبدو عبارة "اعرف عميلك" بحاجة إلى إضافة سودانية صغيرة: اعرف عميلك... واعرف حال بلده!

لا أحد يجادل في أهمية تحديث البيانات المصرفية، ولا في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. هذه قواعد ضرورية لحماية الجهاز المصرفي واستعادة الثقة فيه. لكن المشكلة تبدأ عندما تُطبّق القاعدة بعقلية الورق والختم والطابور، في بلدٍ كسرت الحرب فيه الجغرافيا قبل أن تكسر الاقتصاد.

المواطن الذي فتح حسابه قبل سنوات، ثم وجد نفسه نازحًا أو لاجئًا أو مقيمًا في مدينة لا يعمل فيها فرع مصرفه، ليس متهربًا من "اعرف عميلك". وربما يكون أكثر ما يريده هو أن يعرف كيف يصل إلى ماله أصلًا!

المفارقة أن السودان يحتاج اليوم إلى جذب المواطن وأمواله إلى الجهاز المصرفي، لا إلى دفعه نحو النقد والقنوات غير الرسمية. وإذا كانت التكنولوجيا قد جعلت من الممكن فتح الحساب والتحقق من الهوية ومراقبة المعاملات عن بُعد، فلماذا نصر على إعادة المواطن إلى شباكٍ قد يكون بعيدًا مئات الكيلو مترات، أو في مدينة لم يعد إليها بعد؟

المسألة هنا تتجاوز تعميمًا مصرفيًا، إنها صورة مصغرة عن مأزق الدولة السودانية: مؤسسات تطلب من المواطن أن يتصرف كما لو أن الدولة تعمل بصورة طبيعية، بينما حياته نفسها تقول العكس.

الدولة التي تريد أن تعرف عميلها عليها أولًا أن تعرف ظروفه. تعرف النازح، واللاجئ، والمغترب، ومَنْ فقد أوراقه، ومَنْ دمّر بيته، ومَنْ يعيش في منطقة بلا فرع مصرفي. فالامتثال لا يعني العقاب، والشمول المالي لا يتحقق بالتجميد، والثقة لا تُبنى بإغلاق الأبواب.

في تقديري، تبدو المعادلة أبسط مما نظن: إذا كان المطلوب أن "نعرف العميل"، فالأجدى أن تعرف الدولة مواطنيها أولًا... وأن تسأل نفسها: أين ذهب هؤلاء الناس، ولماذا خرجت أموالهم من النظام الرسمي، ومَنْ الذي جعل الوصول إلى الدولة أصعب من الوصول إلى الهاتف؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق الإجابة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...