طاهر المعتصم
من القصص التي تُروى، أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، خضع أحد المسؤولين الكبار لتحقيق مطوَّل، بعد أن ظل سنوات طويلة تحت المراقبة دون أن يُضبط عليه فساد أو اختلاس أو أية مخالفة تُذكر. وبعد جهد كبير اعترف الرجل أخيرًا بسرِّه الخطير قائلًا: "لم أفعل شيئًا سوى اختيار أضعف العناصر لشغل الوظائف الحكومية".
تذكّرت هذه الحكاية وأنا أتابع مرور عام كامل على تسمية كامل إدريس رئيسًا للوزراء، وسط احتفاء واسع وآمال عريضة دفعت الرجل -حامل الجواز الأجنبي- لإطلاق وصف "حكومة الأمل" على التشكيل الذي كان يُنتظر منه أن يفتح نافذة جديدة في جدار الأزمة السودانية السميك.
لكن بعد عام كامل، يبدو أن السودانيين خسروا أكثر مما كسبوا. فعلى الصعيد الاقتصادي، واصل الجنيه السوداني رحلة التدهور بلا توقف، لينتقل من مرحلة الضعف إلى السقوط الحر، حتى تجاوز الدولار حدود خمسة آلاف جنيه في بعض التعاملات، بينما غابت أية رؤية اقتصادية قادرة على وقف الانهيار أو حتى التخفيف من آثاره على المواطنين.
أما سياسيًا ودبلوماسيًا، فقد شهد السودان خلال هذا العام تراجعًا ملحوظًا في حضوره الخارجي. فبدلًا من استثمار خبرة الرجل وعلاقاته الدولية المفترضة لإعادة بناء صورة السودان، انشغلت الحكومة بمعارك جانبية ورسائل أربكت كثيرين. وعلى المستوى الأفريقي، لم يتحقق أي اختراق يُذكر في ملف استعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، بالرغم من أن هذا الملف ظل أحد أهم عناوين المرحلة الانتقالية منذ سنوات.
وعربيًا ودوليًا، لم تسفر الزيارات الخارجية عن نتائج ملموسة، بينما برزت الخلافات داخل مؤسسات الحكم نفسها، وكان أبرزها النزاع مع الفريق إبراهيم جابر الذي انتهى بإقالة وزيرة مجلس الوزراء، في مشهد عكس هشاشة التنسيق داخل الجهاز التنفيذي.
وربما كان المشهد الأكثر دلالة هو إجراء امتحانات الشهادة السودانية، أحد أهم ممسكات الوحدة الوطنية، في جزأين مختلفين من البلاد لأول مرة في التاريخ الحديث، وكأن الحرب لم تكتفِ بتقسيم الجغرافيا بل امتدت لتطال حتى الرموز المشتركة التي ظلت تجمع السودانيين.
بعد عام كامل، يبقى السؤال مشروعًا: ماذا خسر السودانيون من هذا الاختيار؟ والأهم من ذلك: كم من الوقت يمكن لبلد يواجه حربًا مدمرة وأزمة اقتصادية خانقة أن يهدره في تجارب لا تنتج سوى المزيد من الخسائر والفرص الضائعة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...