محمد الأمين عبد النبي

​استضافت المملكة العربية السعودية يوم الخميس، 30 يوليو 2026، اجتماعًا دوليًا شاركت فيه وفودٌ من 43 دولة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي؛ لبحث تأسيس تحالفٍ بحري دفاعي متعدد الجنسيات، يهدف إلى حماية الملاحة الدولية وتعزيز أمن الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وجاء الإعلان عن هذه المبادرة في وقتٍ تتصاعد فيه التهديدات المرتبطة بالهجمات على السفن وخطوط التجارة والطاقة في المنطقة.

​وبحسب البيان المشترك، أبدت 14 دولة دعمها الرسمي للمبادرة، وهي: السعودية، الكويت، البحرين، قطر، باكستان، تركيا، مصر، الأردن، اليمن، بنغلاديش، نيجيريا، السودان، جيبوتي، والصومال. ويُظهر هذا الدعم استناد التحالف إلى قاعدة واسعة تجمع دولًا عربية وإسلامية وأفريقية وآسيوية ذات صلة مباشرة بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة المرتبطة به.

​تأتي هذه المبادرة بعد أيامٍ من تصاعد التوتر البحري في المنطقة، وإثر تهديدات الحوثيين بفرض حصارٍ بحري على السفن المرتبطة بالسعودية، وما تبع ذلك من ردودٍ عسكرية ومخاوف متزايدة من اتساع دائرة المواجهة في الممرات البحرية الحساسة. ومن هذا المنطلق، تبدو الرياض وكأنها تتحرك لملء فراغٍ أمني متنامٍ عبر صيغة دفاعية جماعية تقلل الاعتماد على التدخلات الخارجية المباشرة، وتمنح الدول المطلة والشريكة دورًا أكبر في حماية مصالحها.

​وتتلخص أهداف التحالف في؛ تعزيز الأمن البحري، حماية حرية الملاحة، صون طرق التجارة والطاقة، تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم عمليات وتدريبات بحرية مشتركة. مما يعني أن التحالف يتجه إلى بناء بنية تنسيقية عملية قادرة على التعامل مع التهديدات غير التقليدية كالهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة إلى جانب المخاطر التقليدية التي تهدد السفن التجارية وناقلات النفط.

​أما دلالات المبادرة، فهي تتجاوز أبعادها الأمنية المباشرة؛ إذ تشير أصلًا إلى انتقالٍ واضح نحو الأمن الإقليمي الجماعي بدلًا من الاعتماد الحصري على القوى الكبرى، وتكشف ثانيةً عن إدراكٍ متقدم لكون البحر الأحمر أصبح ساحة لصراع أوسع على النفوذ والطاقة وسلاسل الإمداد. كما تعكس ثالثًا رغبة صريحة في ترسيخ موقع السعودية كمركز قيادي في هندسة الأمن البحري، لا سيما في نطاقٍ يربط الخليج بالمحيط الهندي ويمتد تأثيره إلى التجارة العالمية بأسرها.

​وتتضاعف أهمية هذا التحالف بالنظر إلى موقع مضيق باب المندب كعنق زجاجة استراتيجي تمر عبره حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، إضافةً إلى الأهمية المحورية للبحر الأحمر وخليج عدن في استقرار أمن الطاقة العالمي والتدفقات التجارية؛ فأي اضطراب في هذه المساحات ينعكس فورًا على دول الإقليم، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويضر بسلاسل الإمداد والأسواق الدولية، وهو ما يفسر السرعة التي تحركت بها الرياض، وحجم المشاركة الدولية الواسعة في الاجتماع.

​وفي السياق الأوسع، يُعبر هذا التحالف عن مرحلة انتقالية تتراجع فيها قابلية الاعتماد على الردع المنفرد، وتتصاعد معها قيمة التحالفات متعددة الأطراف القائمة على تقاسم الأعباء. كما يُرسل رسالة واضحة إلى الفاعلين المسلحين من غير الدول بأن تهديد الملاحة الدولية لن يمر دون ردٍ منظم، وأن البحر الأحمر يتجه لأن يصبح مجالًا أكثر انضباطًا عبر ترتيبات أمنية جماعية تحميه من أن يظل رهينةً للابتزاز السياسي أو العسكري.

​ يمثل التحالف البحري متعدد الجنسيات مؤشرًا جليًا على إعادة ترتيب ميزان الأمن في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، في لحظةٍ فارقة تتقاطع فيها ظلال الحرب والتنافس الإقليمي والدولي مع ملفات الطاقة والتجارة. ولهذا السبب تحديدًا، يُعد التحالف علامة فارقة في مسار تحولٍ استراتيجي أوسع لطريقة إدارة الأمن البحري في المنطقة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...