عمر النعيم
تواجه العملة الوطنية في السودان انحدارًا متسارعًا وتراجعًا غير مسبوق في قوتها الشرائية، مما أدى إلى اضطراب واسع في الأسواق وارتفاع قياسي في أسعار السلع الأساسية. هذا الواقع المعقد يفرض التساؤل حول مدى جدوى الأدوات الإدارية التقليدية التي أثبتت عجزها عن احتواء الانهيار. إن التعامل مع هذه الحالة يتطلب الانتقال من السياسات النقدية الترقيعية إلى منهجية إدارة الأزمات الكبرى، على غرار التدخلات الهيكلية التي شهدتها الأسواق العالمية خلال الأزمات المالية الشديدة.
إن الأزمة الحالية هي أزمة هيكلية عميقة ناتجة عن خلل في بنية الاقتصاد الكلي وفقدان الثقة في الجهاز المصرفي والسياسة النقدية برمتها. في ظل هذه الظروف تصبح الإجراءات التقليدية، مثل الملاحقات الأمنية للمتعاملين في السوق الموازي أو تغيير فئات العملة، مجرد مسكنات مؤقتة لا تعالج جذور المرض، بل قد تزيد من حالة الهلع الاقتصادي وتسرع من وتيرة هروب رؤوس الأموال.
المشكلة الأساسية تكمن في الاعتماد المفرط على التمويل بالعجز، حيث تلجأ السلطات التنفيذية إلى طباعة النقود لتغطية النفقات التشغيلية ودفع أجور القطاع العام وتمويل النفقات السيادية، دون أن يقابل ذلك أي زيادة في الإنتاج الحقيقي أو تدفقات من النقد الأجنبي. هذه العملية تخلق ضريبة تضخم قاسية، حيث تتآكل مدخرات المواطنين وقوتهم الشرائية يوميًا لصالح تمويل عجز الموازنة. ولإيقاف هذا النزيف المستمر، لا بد من تدخل جراحي عميق يعيد ضبط القواعد الحاكمة للاقتصاد، وهو ما يمكن تسميته بإعادة الضبط الهيكلي.
المدخل الأول والأهم لهذا الإصلاح الجذري يقوم على نزع صلاحية التمويل بالعجز من السلطات التنفيذية بشكل قاطع، وإلغاء القدرة على طباعة النقود غير المغطاة. ويتأتى ذلك عبر إنشاء كيان مستقل تمامًا يُعرف بمجلس النقد. يختلف مجلس النقد عن البنك المركزي التقليدي في كونه لا يمتلك سلطة تقديرية في إدارة السياسة النقدية، بل تحكمه قاعدة صارمة تتمثل في ربط العملة المحلية بنسبة كاملة بسلة أصول مرجعية تتكون من عملات أجنبية قوية وسبائك ذهبية.
بموجب نظام مجلس النقد، لا يسمح بإعادة ضخ أو إصدار أي فئات نقدية جديدة من الجنيه السوداني إلا بناءً على دخول أصل أجنبي يعادله أو غطاء مادي مؤكد إلى خزينة الدولة. هذه الخطوة تهدف إلى استعادة الثقة المفقودة في النقد الوطني عبر قطع الصلة تمامًا بين السياسة النقدية والتزامات الإنفاق الحكومي. عندما تدرك الأسواق والمستثمرون أن الحكومة لم تعد قادرة على تمويل نفقاتها عبر المطبعة، ستتراجع توقعات التضخم بشكل فوري، وسيبدأ سعر الصرف في الاستقرار بناءً على المعروض الحقيقي من العملات.
إلى جانب تأسيس مجلس النقد، يعاني الاقتصاد الوطني من تسرب هائل للقيمة خارج القنوات الرسمية، وخاصة في قطاع المعادن والذهب الذي يعتبر المورد الأهم للبلاد في الوقت الراهن. يتطلب الحل الجذري تحويل كافة إنتاج الذهب المحلي إلى المقاصة الرسمية بأسعار السوق العالمية العادلة. يجب أن تتوقف الدولة عن شراء الذهب بأسعار غير واقعية تدفع المنتجين نحو التهريب، بل يجب أن يكون السعر الرسمي مطابقًا للسعر العالمي، مع توفير حوافز لوجستية وأمنية للمنتجين.
هذا الذهب المجمع يجب ألا يباع لتغطية نفقات استهلاكية، بل يجب أن يتحول إلى مرساة للقيم النقدية بحيث يشكل الغطاء المباشر للعملة الوطنية. بالإضافة إلى الذهب، يمكن اللجوء إلى تقنية تسنيد الأصول الحكومية. يمتلك السودان أراضي زراعية شاسعة وعقارات كبرى وموارد طبيعية غير مستغلة. يمكن إنشاء صندوق سيادي يدمج هذه الأصول ويصدر سندات ممتازة ومغطاة بهذه الأصول الاستراتيجية لجلب سيولة أجنبية واستثمارات طويلة الأجل، دون الاعتماد على القروض التقليدية التي ترهق ميزان المدفوعات.
إن وجود قاعدة أصول صلبة وملموسة تدعم العملة يخلق مرساة حقيقية تمنع تقلبات السعر وتحد من المضاربات في الأسواق الموازية. فالمضاربون يراهنون دائمًا على ضعف السلطات النقدية وعجزها عن التدخل، ولكن عندما تكون العملة مدعومة بأصول سيادية وذهب، فإن تكلفة المضاربة تصبح مرتفعة جدًا، مما يجبر رؤوس الأموال على العودة إلى القطاع الرسمي بحثًا عن عوائد حقيقية في قطاعات الإنتاج.
على صعيد آخر، تسببت الظروف الاستثنائية وتداعي البيئة الاقتصادية بفعل عدم الاستقرار في تراكم الديون المتعثرة وتلف الأصول المصرفية. فقدت العديد من المشاريع الزراعية والصناعية قدرتها على السداد، وتعرضت ضمانات القروض للتدمير أو تراجعت قيمتها بشكل حاد، مما أدى إلى انكشاف الجهاز المصرفي وضغوط هائلة على السيولة. استجابة لهذا الوضع، يقترح الاعتماد على آلية بنك الأصول الرديئة، وهي آلية استعيرت من تجارب المعالجة المالية الدولية خلال الأزمة الاقتصادية العالمية لإنقاذ الأسواق.
تقوم فكرة بنك الأصول الرديئة على تأسيس مؤسسة مالية مدعومة من الدولة، مهمتها الأساسية شراء وعزل القروض المنهارة والأصول الهشة من ميزانيات البنوك التجارية بأسعار خصم محددة. يتيح هذا العزل تنظيف السجلات المالية للمؤسسات المصرفية السليمة وحمايتها من خطر الإفلاس المتسلسل. وبعد تحرير البنوك التجارية من عبء هذه الديون السامة، يتم إعادة رسملتها وتوجيهها للقيام بدورها الأساسي، وهو توفير الائتمان والسيولة للقطاعات الإنتاجية والتصديرية الحيوية كالزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية.
من خلال هذه الآلية، يتوقف ضخ السيولة المصرفية الهشة في المعاملات الاستهلاكية أو الأنشطة غير المنتجة، ويربط التمويل الجديد بالنماء الفعلي الذي يدعم ميزان المدفوعات ويوفر فرص العمل. أما بنك الأصول الرديئة، فيعمل على مدى زمني طويل لاسترداد ما يمكن استرداده من تلك الديون المتعثرة أو إعادة هيكلة المشاريع المنهارة وبيعها لمستثمرين جدد متى ما استقرت الأوضاع الأمنية والاقتصادية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...