محمد الأمين عبد النبي

 

يمثل الثلاثون من يونيو 2019م، لحظة فارقة في تاريخ السودان؛ لحظة استعاد فيها الشعب وعيه وجسارته، بعد أسابيع من الصدمة والذهول اللذيْن خلّفتهما مجزرة فض الاعتصام الغادرة. ففي الوقت الذي راهنت فيه السلطة العسكرية على أن آلة البطش قد كسرت إرادة الجماهير وأخرست صوت الحق، خرج الشعب في مليونية هادرة زلزلت الشوارع وأركان السلطة، لتؤكد أن الثورة لا تتراجع. وصارت الصدور العارية، بما حملته من يقين بعدالة القضية، أقدر على هزيمة ترسانة السلاح. لقد كان ذلك اليوم انتصارًا حاسمًا، أعلن للعالم أجمع أن شعبًا قرر أن يعيش بحرية لن تهزمه المجازر، ولن تفلح أية قوة في إعادته إلى الاستبداد.

أعادت تلك المليونية تشكيل ميزان القوى على الأرض، وفرضت معادلة أجبرت المجلس العسكري على التراجع والإذعان لإرادة الشعب، فاتحة الطريق مجددًا أمام مسار الانتقال الديمقراطي. غير أن قوى الردة لم تبرح تحيك المؤامرات ضد الثورة، فعمدت إلى عرقلة مسار الانتقال بصورة ممنهجة، حتى تُوِّج تآمرها بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر المشؤوم؛ وهو الانقلاب الذي واجهه الشعب ببسالة وإرادة صلبة، وأفشل غاياته السياسية. ومع استمرار النكوص والالتفاف على الاتفاق الإطاري، قادت هذه المؤامرات إلى الانفجار الكارثي لحرب أبريل 2023م.

إن ما يشهده السودان اليوم من قتل مجاني، ودمار شامل، ونزوح ولجوء بالملايين، ليس إلا الحلقة الأكثر دموية ووحشية في مشروع طويل وممتد يسعى، منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، إلى مصادرة حلم الدولة المدنية.

تأتي ذكرى الثلاثين من يونيو هذا العام والسودان يمر بمنعطف هو الأخطر في تاريخه المعاصر، حيث تدخل الحرب مرحلة مظلمة، مخلِّفةً بنيةً تحتيةً مدمرة، وملايين النازحين واللاجئين، ومآسي إنسانية تتكرر فصولها الدامية في كلِّ شبر من أنحاء البلاد، منذرة بالتشظي والتقسيم. ولكن، على الرغم من تقييد حريات الناس وتدهور أوضاعهم المعيشية، تظل الثورة حيةً نابضةً في ضمير السودانيين. لقد أثبتت التجارب القاسية أن الأوطان لا تُحرس بحدِّ النصال والحديد، وإنما بالوعي والإرادة والتمسك بمشارع الحق.

إن استعادة روح الثلاثين من يونيو اليوم، تقتضي بناء أوسع جبهة مدنية لوقف هذه الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية؛ جبهة ترفض العسكرة أو توفير أي ضمانات للإفلات من العقاب. إن الطريق نحو المستقبل يبدأ بالشروع في مشروع وطني نهضوي يقوم على بناء عقد اجتماعي جديد، وتفكيك ركائز التمكين، والنأي التام بالقوات النظامية عن النشاطيْن السياسي والاقتصادي، وإنهاء ظاهرة الميليشيات وتعدد الجيوش، وبناء جيش قومي مهني موحد يخضع للسلطة المدنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومعالجة الانهيار الاقتصادي وإعادة الإعمار، وصولًا إلى دولة المواطنة وسيادة القانون.

إن البنادق، مهما علا ضجيجها ومهما طال أمد أمراء الحرب، ستصمت في نهاية المطاف، والطغيان، مهما اشتدت سطوته وتجبرت أدواته، إلى زوال. أما الوعد الذي حمله الثلاثون من يونيو فسيظل حيًا في وجدان السودانيين؛ وعدًا قاطعًا بأن الحرية المؤجلة لا تموت، وأن الشعوب التي تودع ثورتها في ضميرها الحي لا تُهزم أبدًا ولا تضيع بوصلتها.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...