طاهر المعتصم

في تاريخ الأمم أيامٌ لا تُقاس بالساعات، وإنما بما تتركه من أثر في وجدان الشعوب. وفي السودان ظل الثلاثون من يونيو يحمل وجهيْن متناقضين؛ أحدهما مظلم كئيب، والآخر مضيء بالأمل.

في الثلاثين من يونيو 1989م، اختطفت الجبهة الإسلامية القومية السلطة بانقلاب عسكري قاده عمر البشير، لتبدأ ثلاثة عقود من الحكم الشمولي الذي صادر الحريات، وأقصى المخالفين، وأدخل البلاد في عزلة سياسية واقتصادية خانقة. وخلال تلك السنوات دفع السودان أثمانًا باهظة؛ انفصل جنوب السودان، وتفاقمت الحروب الداخلية، وارتبط اسم البلاد بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، قبل أن ينتهي المشروع نفسه إلى انقسامات وصراعات أكلت أبناءه بل أباه، حتى سقط النظام تحت ضغط ثورة شعبية في أبريل 2019م.

لكن التاريخ شاء أن يمنح السودانيين موعدًا آخر مع الثلاثين من يونيو، هذه المرة في عام 2019م. بعد أسابيع قليلة من مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وبينما كانت خدمة الإنترنت مقطوعة، والانتهاكات تطال المدنيين، خرج السودانيون في ثماني عشرة مدينة، وامتلأت شوارع الخرطوم وبقية الولايات بمئات الآلاف وهم يهتفون: "العسكر للثكنات... والجنجويد ينحل".

كان ذلك اليوم إعلانًا بأن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الدم لا يستطيع أن يهزم الحلم. وأذكر أن مصدرًا مطّلعًا روى لي يومها أن أحد أبرز قادة المجلس العسكري حلَّق بمروحية فوق العاصمة، وما أن رأى الحشود التي ملأت الطرقات حتى التفت إلى مرافقيه قائلًا: "الشعب السوداني كله في الشوارع... لا حلَّ إلا بالتفاوض". ولم تمضِ أيام حتى بدأ المسار الذي قاد إلى الاتفاق السياسي وتشكيل السلطة الانتقالية.

ربما تعثّرت التجربة لاحقًا، وربما أعادت الحرب السودان إلى مربع الألم، لكن ما جرى في الثلاثين من يونيو 2019م ظل شاهدًا على أن الشعوب قادرة على تصحيح مسار التاريخ مهما بلغت التضحيات.

إن عبقرية السودانيين لا تكمن فقط في قدرتهم على الثورة، بل في قدرتهم على المشي بالممحاة فوق تواريخ الظلم، ثم كتابة تاريخ جديد بأيديهم، لذلك سيظل الثلاثون من يونيو شاهدًا على أن اليوم الذي بدأ فيه مشروع الاستبداد، هو نفسه اليوم الذي أعلن فيه السودانيون عودة الوعي، وأن الشعوب بالغة أمرها، مهما أشعل الطغاة الحروب، ومهما هجّروا الناس قسرًا، فإنها لا تتوقف عن البحث عن وطن يستحق الحياة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...