كان يشعر أن هذه المهنة ليست جديدة عليه كلما سار خلف قطيع الأغنام في الحقول الإسبانية
خبرته في رعي الماشية قادته إلى مزرعة في قلب الريف الإسباني
عصام: في الوقت الحالي توجد مشاكل في كل مكان في بلدي وليس في دارفور وحدها
وجد مهنة في إسبانيا لكنه ما زال يبحث عن وطن
صوت الأمة – متابعات
دفعت الحرب الشاب السوداني عصام عبد المؤمن إلى مغادرة دارفور، لكن خبرته في رعي الماشية قادته إلى مزرعة في قلب الريف الإسباني، حيث وجد عملاً، بينما ظل حلمه الحقيقي هو العودة إلى الوطن عندما يعم السلام.
لم تكن النعجة الشاردة تكترث كثيرًا بمحاولات صاحب المزرعة الإمساك بها، فقد ظلت تركض بين أركان الحظيرة، مراوغةً كل من يقترب منها. عندها التفت المزارع الإسباني خافي إستيبان إلى مساعده الشاب، عصام عبد المؤمن، طالبًا تدخله.
بخطوات واثقة، انطلق عصام خلف النعجة، وما هي إلا لحظات حتى تمكن من الإمساك بها وإعادتها إلى القطيع، قبل أن يقود الأغنام نحو المرعى الممتد خلف التل، في مشهد يبدو اعتياديًا داخل مزرعة ريفية بوسط إسبانيا، لكنه بالنسبة إلى الشاب السوداني يحمل حكاية بدأت على بُعد آلاف الكيلومترات، في إقليم دارفور.
يرتدي عصام، البالغ من العمر (27 عامًا)، بدلة العمل الزرقاء التي أصبحت جزءًا من يومه، ويتحرك بين الأغنام بخبرة اكتسبها منذ طفولته في بيئة رعوية. غير أن رحلته إلى هذه المزرعة لم تكن طريقًا مباشرًا، بل كانت رحلة طويلة فرضتها الحرب التي دفعت به إلى مغادرة وطنه بحثًا عن الأمان.
يلخص عصام قصته بكلمات قليلة، لكنها تختزن سنوات من المعاناة، قائلاً: "في الوقت الحالي توجد مشاكل في كل مكان في بلدي، وليس في دارفور وحدها... لقد غادرت منزلي بسبب الحرب".
ثماني سنوات من التيه
قبل ثماني سنوات، غادر عصام السودان وحيدًا، تاركًا خلفه أسرته وماضيه وحياة اعتقد يومًا أنها ستستمر كما عرفها. ومنذ تلك اللحظة، تنقل بين عدة دول؛ فأقام لفترات متفاوتة في مصر وليبيا وتونس والجزائر، قبل أن يصل إلى المغرب، في رحلة اتسمت بعدم الاستقرار وكثرة الترحال.
وخلال تلك السنوات، لم يتمكن من رؤية والديه وإخوته العشرة، واكتفى بالاتصال بهم كلما سنحت له الظروف، فيما ظل حلم الوصول إلى مكان آمن يراوده رغم قسوة الطريق.
وفي العام الماضي، اتخذ أكثر قراراته جرأة، عندما تمكن من عبور السياج الحدودي المحيط بمدينة سبتة، الجيب الإسباني الواقع على الساحل الشمالي لإفريقيا، حيث تقدم بطلب للحصول على اللجوء. ومن هناك، بدأت صفحة جديدة في حياته، انتهت به إلى هذه المزرعة الهادئة في قلب الريف الإسباني.
لكن رحلة عصام لم تكن مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كانت أيضًا عودة غير متوقعة إلى المهنة التي عرفها منذ طفولته. ففي الوقت الذي كان يبحث فيه عن فرصة لبداية جديدة، كانت إسبانيا تبحث هي الأخرى عمن يعيد الحياة إلى مهنة هجرها كثير من أبنائها.
فعلى امتداد الأرياف الإسبانية، يواجه قطاع تربية الأغنام أزمة متفاقمة بسبب عزوف الشباب عن العمل في الرعي، مقابل تقاعد أعداد متزايدة من الرعاة القدامى، الأمر الذي خلق نقصًا واضحًا في الأيدي العاملة، وترك عشرات المزارع تبحث عن أشخاص يمتلكون الخبرة والاستعداد لخوض هذه المهنة الشاقة.
ولم يكن عصام يدرك آنذاك أن الخبرة التي اكتسبها طفلًا في مراعي دارفور ستكون، بعد سنوات من اللجوء والترحال، المفتاح الذي سيفتح له باب الاستقرار في بلد لم يكن يتخيل يومًا أنه سيعيش فيه.

حين تتحول خبرة دارفور إلى فرصة عمل
في ظل هذا النقص، برزت مبادرة غير مألوفة في مدينة سيوداد ريال، وسط إسبانيا، حيث أُنشئت مدرسة متخصصة لتدريب الراغبين في العمل برعي الأغنام، مستهدفة بالدرجة الأولى المهاجرين واللاجئين الذين يمتلك كثير منهم خبرات سابقة في تربية الماشية.
وتقع المدرسة على بُعد نحو ساعة من مزرعة خافي إستيبان، وتوفر برنامجًا تدريبيًا مكثفًا يمتد لأسبوع واحد، يجمع بين الدروس النظرية والتطبيق العملي داخل المزارع، قبل أن تساعد خريجيها في الحصول على فرص عمل.
وبالنسبة إلى عصام، لم يكن القرار صعبًا. فما إن علم بوجود المدرسة عبر إحدى المنظمات غير الحكومية، حتى بادر إلى الالتحاق بها، مدفوعًا بخبرته التي اكتسبها منذ الصغر في رعاية الأبقار والإبل مع أسرته في دارفور.
ويستعيد عصام أكثر اللحظات تأثيرًا في تلك الرحلة، عندما اتصل بوالده ليخبره بأنه أصبح راعيًا للأغنام في إسبانيا.
ويقول إن والده لم يُخفِ فرحته، ورد عليه بكلمات لا تزال ترافقه حتى اليوم: "أحسنت يا بني... يمكنك أن ترتاح الآن، فقد أصبح لديك عمل".
كانت تلك الكلمات، بالنسبة لعصام، أكبر من مجرد تهنئة. فقد جاءت بعد سنوات من الغربة والقلق والترحال، وكأنها إعلان بانتهاء مرحلة من المعاناة، وبداية أخرى أكثر استقرارًا.
مدرسة تعيد الحياة إلى مهنة تتراجع
ويقود هذه المبادرة بيدرو لونا، الذي أسس المدرسة قبل عامين لمواجهة النقص المتزايد في العاملين بقطاع الرعي.
ويقول لونا إن المشروع نجح حتى الآن في توفير وظائف لعشرات المتدربين، موضحًا: "تمكنا من توظيف 63 من طلابنا منذ انطلاق البرنامج، وتبقى اللغة الإسبانية هي التحدي الأكبر أمام معظمهم. لكن بمجرد تجاوز هذا الحاجز، يصبح العثور على عمل أمرًا يسيرًا".
ويضم البرنامج متدربين من خلفيات مختلفة، بينهم لاجئون أفارقة، إلى جانب عدد من الإسبان المنتمين إلى فئات اجتماعية تحتاج إلى فرص جديدة للاندماج في سوق العمل.
وفي آخر أيام الدورة، ينتقل المتدربون إلى إحدى مزارع الأغنام لتلقي التدريب العملي، حيث يتعرفون إلى تفاصيل العمل اليومي، من رعاية القطيع إلى استخدام أنظمة الحلب الآلي الحديثة.
وبالنسبة إلى كثير منهم، كانت تلك التجربة الأولى مع هذا النوع من التقنيات، إذ وقفوا أمام صفوف النعاج يتعلمون كيفية تثبيت أجهزة الحلب تحت إشراف عمال المزرعة، قبل أن تتحول رهبتهم الأولى إلى ثقة مع تكرار المحاولات.
ولا يقتصر البرنامج على التدريب فقط، بل يربط أصحاب المزارع مباشرة بالمتدربين، بحيث تُعرض فرص العمل على الخريجين فور انتهاء الدورة، وهو ما جعل المدرسة تتحول إلى جسر يربط بين احتياجات الريف الإسباني وطموحات المهاجرين الباحثين عن بداية جديدة.
وبين هؤلاء المتدربين، تتكرر حكايات النزوح والبحث عن الأمان. فبعضهم فر من الحروب، وآخرون غادروا بلدانهم هربًا من الاضطهاد أو الفقر، لكنهم وجدوا في رعي الأغنام فرصة لاستعادة حياتهم وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.
أما عصام، فقد كان يشعر أن هذه المهنة ليست جديدة عليه. فكلما سار خلف قطيع الأغنام في الحقول الإسبانية، استعاد في ذاكرته سنوات الطفولة في دارفور، حيث تعلم للمرة الأولى كيف يقود القطيع، ويقرأ حركة الحيوانات، ويعرف أن الصبر هو أول ما يحتاجه الراعي.

حنين لا يغادر القلب
ورغم أن عصام يقضي يومه بين قطعان الأغنام التي يُصنع من حليبها جبن "مانشيجو" الشهير، فإن ذائقته لا تزال معلقة بما عرفه في طفولته.
يبتسم وهو يتحدث عن الجبن الإسباني، ويقول إنه لا يتناوله كثيرًا، قبل أن يضيف ضاحكًا: "الأمر مرتبط بالثقافة... في السودان اعتدنا شرب حليب الإبل مباشرة".
وتأخذه الذكريات سريعًا إلى دارفور، حيث نشأ وسط الأبقار والإبل والأغنام، وحيث كانت الحياة، رغم بساطتها، أكثر دفئًا مما هي عليه اليوم.
ويقول: "حليب الإبل لذيذ وحلو المذاق، ويحتوي على نسبة عالية من السكر، أكثر حتى من حليب الأبقار... إنني أفتقد جملي".
قد تبدو المقارنة غريبة بين مراعي إسبانيا الخضراء وسهول دارفور، لكن بالنسبة إلى عصام، فإن المسافة بين المكانين لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالحنين.
ففي إسبانيا وجد عملاً وفرصة لحياة مستقرة، لكنه لم يجد وطنًا بديلًا.
ولا يزال يحرص، كلما سنحت له الفرصة، على الاتصال بوالديه وإخوته العشرة، مطمئنًا عليهم، ومتابعًا أخبار الحرب التي فرقت الأسرة وأبعدته عن منزله منذ سنوات.
وبينما يواصل عمله في ريف إسبانيا، يدرك عصام أن ما حققه حتى الآن ليس سوى محطة في رحلة أطول. فهو يدخر جزءًا من دخله، ويتعلم اللغة، ويبني حياة جديدة، لكن قلبه ما يزال معلقًا بالمكان الذي غادره على مضض.
ولا يحمل الشاب السوداني أمنيات معقدة للمستقبل. فبعد سنوات من اللجوء والترحال، أصبح حلمه أكثر بساطة ووضوحًا: أن تنتهي الحرب، ويعود السلام إلى السودان.
وحينها، لا يتمنى أكثر من العودة إلى دارفور، وأن يجلس وسط أسرته التي طال فراقها، يرتشف كوبًا من حليب الإبل، ويتأمل الحياة التي أجبرته الحرب على مغادرتها، وهو يأمل أن تمنحه السلام فرصة للعودة إليها من جديد.



التعليقات (0)
جاري التحميل...