الحرب تعيد رسم خريطة التجارة العالمية للصمغ العربي

ترجمة: نادرة المهدي

يشهد سوق الصمغ العربي العالمي، تحولًا لافتًا قد يعيد رسم موازين القوة بين كبار المنتجين في أفريقيا، بعدما سجلت تشاد -لأول مرة- تفوقًا على السودان في صادرات الصمغ العربي الخام إلى فرنسا، إحدى أهم مراكز معالجة وتصدير هذه المادة الاستراتيجية في العالم.

ويأتي هذا التحول في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب السودانية تلقي بظلالها على سلاسل الإمداد العالمية، فيما تسعى الشركات الدولية إلى تنويع مصادر التوريد والبحث عن أسواق أكثر استقرارًا.

تحول غير مسبوق في السوق الفرنسية

بحسب تقرير نشرته وكالة "إيكوفين" الاقتصادية، تنتشر أشجار السنط المنتجة للصمغ العربي ضمن حزام يمتد عبر منطقة الساحل الأفريقي جنوب الصحراء، وتعد دولتا السودان وتشاد من أبرز المنتجين عالميًا لهذه المادة الخام.

ووفق بيانات شركة الاستشارات الزراعية N’Kalô الصادرة في 19 يونيو (حزيران)، تجاوزت واردات الشركات الفرنسية من الصمغ العربي التشادي خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026م، نظيرتها القادمة من السودان، الذي ظل لعقود المصدِّر الرئيس لهذه السلعة الاستراتيجية.

وخلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026م، بلغت مشتريات فرنسا من الصمغ العربي التشادي (5063) طنًا، مسجلة نموًا بنسبة (260) في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.

في المقابل، تراجعت واردات فرنسا من الصمغ العربي السوداني بنسبة (33) في المئة لتستقر عند (4241) طنًا.

الحرب السودانية تعيد تشكيل سلاسل الإمداد

يرتبط هذا التحول بالتداعيات التي أعقبت اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023م بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وما نتج منها من اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد والإنتاج.

ويمثل السودان نحو (80) في المئة من الإنتاج العالمي للصمغ العربي، ما جعله لعقود المورد الأول لهذه المادة المستخدمة في عشرات الصناعات الغذائية والدوائية والتجميلية حول العالم.

ويدخل الصمغ العربي في صناعة الحلويات والمشروبات الغازية والعصائر والنبيذ، كما يستخدم في الصناعات الدوائية ومستحضرات التجميل، والطباعة والمنسوجات، بفضل خصائصه كمادة مثبتة ومستحلبة وعامل لزيادة اللزوجة.

ومع تنامي اهتمام الشركات العالمية بالحصول على مواد خام "خالية من النزاعات" ومتوافقة مع معايير حقوق الإنسان، بدأت شركات أميركية وهندية وأوروبية في توجيه جزء متزايد من طلباتها نحو تشاد.

فرنسا... القلب النابض لصناعة الصمغ العربي

تكتسب السوق الفرنسية أهمية استثنائية في تجارة الصمغ العربي العالمية، إذ تستحوذ وحدها على ما يقارب ثلثي الكميات المعالجة عالميًا، مستفيدة من وجود شركات متخصصة كبرى مثل Nexira وAlland & Robert  في منطقة نورماندي.

وعلى الرغم من أن صادرات تشاد إلى فرنسا ارتفعت عام 2024م بنسبة (40) في المئة لتصل إلى (12,787) طنًا، فإنها ظلت أقل كثيرًا من صادرات السودان التي بلغت نحو (43) ألف طن خلال الفترة نفسها.

غير أن الفجوة بدأت في الانكماش بصورة متسارعة خلال السنوات الأخيرة. ففي الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025م، بلغت صادرات تشاد إلى فرنسا (15,549) طنًا، مقابل (32,835) طنًا للسودان.

أما خلال الربع الأول من عام 2026م، فقد سجلت واردات فرنسا من الصمغ العربي التشادي ارتفاعًا بنسبة (191) في المئة لتصل إلى (3473) طنًا، مقارنة بـ(3087) طنًا فقط من السودان، في أول تجاوز تشادي للمورد السوداني داخل السوق الفرنسية.

هل يفقد السودان موقعه التاريخي؟

على الرغم من هذه المؤشرات، يرى محللون أن الحديث عن انتقال مركز الثقل العالمي للصمغ العربي من السودان إلى تشاد لا يزال سابقًا لأوانه، نظرًا إلى الفارق الكبير في حجم الإنتاج والموارد المتاحة بين البلدين.

لكنهم يؤكدون أن التطورات الأخيرة، تمثل فرصة استراتيجية لتشاد لتعزيز موقعها داخل سلسلة القيمة العالمية، خصوصًا أن فرنسا تستورد أكثر من (95) في المئة من احتياجاتها من الصمغ العربي الخام من القارة الأفريقية.

ويحظى الصمغ العربي التشادي بسمعة جيدة في الأسواق الدولية بسبب جودته العالية ولونه الفاتح، وهي عوامل تجعله يباع بأسعار أعلى مقارنة ببعض الأنواع السودانية.

إمكانات نمو كبيرة

وفق تقرير للبنك الدولي صدر في مارس (آذار) 2025م، تمتلك تشاد فرصًا كبيرة لزيادة إنتاجها والاستفادة من سوق عالمية يتوقع أن ينمو الطلب عليها بمعدل سنوي يبلغ (5.9) في المئة خلال العقد المقبل.

وأشار التقرير إلى أن حجم صادرات السودان قبل نحو عقدين كان قريبًا من مستويات الصادرات التشادية الحالية، ما يعكس حجم الإمكانات المتاحة أمام إنجامينا إذا ما نجحت في توسيع الاستثمارات وتطوير سلسلة الإنتاج.

كما لفت إلى أن نسبة محدودة فقط من أشجار الصمغ العربي في تشاد تستغل بصورة فعالة حتى الآن، الأمر الذي يفتح المجال أمام زيادة كبيرة في الإنتاج مستقبلًا.

منافسة تتجاوز التجارة

ولا يقتصر التنافس بين السودان وتشاد على حصص السوق فحسب، بل يمتد إلى القدرة على جذب الاستثمارات وتعزيز الثقة في سلاسل التوريد العالمية. وبينما لا يزال السودان يحتفظ بمكانته كأكبر منتج عالمي للصمغ العربي، فإن استمرار الحرب وتعطل الإنتاج في بعض المناطق المنتجة، يمنح منافسيه فرصة نادرة لإعادة رسم خريطة هذه التجارة الاستراتيجية، وفي مقدمتهم تشاد التي تبدو الأكثر استفادة من التحولات الجارية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...