ثلاث زيادات خلال 2026م وتوقعات بركود اقتصادي غير مسبوق
الغرفة التجارية عطبرة: تصاعد سعر صرف الدولار (30%) في السوق الموازي
خبير اقتصادي: ستشهد البلاد ركودًا اقتصاديًا غير مسبوق
تقرير: ناهد محمد
في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني تحديات متفاقمة نتيجة الحرب وتدهور سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم، قررت السلطات السودانية رفع السعر التأشيري للدولار الجمركي للمرة الثالثة خلال عام 2026م، في خطوة يرى خبراء وتجار أنها ستنعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، وتزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين، بينما تؤكد الحكومة أن القرار جاء لمواكبة الارتفاعات المتسارعة في أسعار العملات الأجنبية بالسوق الموازية.
ورفعت السلطات السعر التأشيري للدولار الجمركي إلى (3517) جنيهًا للدولار، بزيادة بلغت (3.5) في المئة، مقارنة بالسعر السابق البالغ (3395) جنيهًا، وسط اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، واستمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.
مبررات حكومية ومخاوف من موجة غلاء جديدة
وقالت مصادر حكومية، إن القرار جاء استجابة لارتفاع أسعار العملات الأجنبية في السوق الموازية خلال الأيام الأخيرة، ما دفع السلطات إلى مراجعة السعر الجمركي المستخدم في تقدير الرسوم على الواردات.
لكن مختصين اقتصاديين حذروا من أن هذه الزيادة ستنعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات كافة، ولا سيما السلع المستوردة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الارتفاعات السعرية في الأسواق.
الغرفة التجارية: الدولار قفز (30) في المئة بالسوق الموازية
قال الأمين العام للغرفة التجارية بمدينة عطبرة، سيف الدين مقلد، إن الزيادة الأخيرة في الدولار الجمركي لا تتجاوز (3.5) في المئة، وهي نسبة محدودة مقارنة بالارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار بالسوق الموازية، الذي تجاوز (30) في المئة خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن الدولار تحرك من نحو (3700) جنيه، إلى أكثر من (5000) جنيه، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع، وأثر بصورة واضحة على الحركة التجارية.
وأرجع مقلد هذه التطورات إلى تداعيات التوترات الدولية والحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما نتج منها من تأثيرات على أسعار المواد البترولية، مشيرًا إلى أن أسعار الوقود في السودان ارتفعت بنسب تصل إلى (300) في المئة، فيما زادت أسعار الغاز بنحو (100) في المئة.
وأضاف أن سعر أسطوانة الغاز تجاوز (110) آلاف جنيه، بعد أن كان يتراوح بين (60 و65) ألفًا، بينما بلغ سعر لتر البنزين نحو (6000) جنيه، وسجل لتر الجازولين (8600) جنيه.
وتوقع مقلد تراجع أسعار المشتقات البترولية خلال الفترة المقبلة إذا ما أسفرت المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران عن اتفاق ينعكس إيجابًا على الأسواق العالمية.
خبير اقتصادي: المواطن هو من يدفع الثمن
من جانبه، وصف الخبير الاقتصادي، الدكتور هيثم محمد فتحي، السياسات الاقتصادية الحالية بأنها "تكرار للمكرر وتجريب للمجرب"، مؤكدًا أن أعباء الرسوم الجمركية تقع في نهاية المطاف على عاتق المواطن.
وقال إن استمرار رفع الدولار الجمركي يسهم في تفاقم معدلات التضخم ويزيد من نشاط الاقتصاد الموازي والتهريب، فضلًا عن تأثيره السلبي على الإنتاج المحلي وأسعار السلع كافة، سواء كانت مستوردة أو منتجة محليًا.
وأوضح أن أية زيادة في كلفة مدخلات الإنتاج المستوردة تقود تلقائيًا إلى ارتفاع الأسعار، مما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين واتساع دائرة الفقر، متوقعًا أن تشهد البلاد حالة ركود اقتصادي غير مسبوقة إذا استمرت السياسات الحالية.
وأضاف أن رفع الدولار الجمركي يجب أن يأتي ضمن برنامج اقتصادي كلي وإصلاح هيكلي شامل للاقتصاد السوداني، محذرًا من أن القرار قد يؤدي إلى تراجع الواردات وبالتالي انخفاض الإيرادات الجمركية التي تمثل موردًا مهمًا للموازنة العامة، فضلًا عن ازدهار نشاط التهريب.
تداعيات محتملة على الاستثمار والإعمار
وحذر فتحي من أن القرار قد ينعكس سلبًا على المناخ الاستثماري في البلاد، خصوصًا في ظل عودة عدد من التجار والمستثمرين السودانيين بعد الحرب.
وأشار إلى أن استمرار تغيير السياسات الاقتصادية قد يدفع المستثمرين إلى التريث في ضخ أموالهم داخل البلاد، كما قد يؤثر في مشروعات إعادة الإعمار والتنمية والإنتاج، إضافة إلى البرامج الحكومية المدرجة في موازنة العام الحالي، نتيجة احتمالات تراجع الإيرادات العامة.
الأسواق تدفع الثمن
على أرض الواقع، بدأت آثار التدهور الاقتصادي وانخفاض قيمة الجنيه السوداني تنعكس بوضوح على أسعار السلع، خصوصًا الخضر والفاكهة، التي شهدت ارتفاعات كبيرة أثارت استياء المستهلكين.
وبلغ سعر جوال البطاطس نحو (250) ألف جنيه، فيما سجل جوال الليمون (220) ألف جنيه، وبلغ سعر الكرتونة (70) ألف جنيه. كما وصل سعر جوال العجور إلى (220) ألف جنيه، والباذنجان إلى (200) ألف جنيه، بينما بلغ سعر جوال البصل الأحمر (140) ألف جنيه، وكرتونة الطماطم (50) ألف جنيه.
وفي أسواق مدينة بربر بولاية نهر النيل، ارتفع سعر كيلو السكر إلى (5000) جنيه، ورطل الزيت إلى (7000) جنيه، فيما تراوح سعر كيلو اللحم العجالي بين (34 و36) ألف جنيه، وسجل كيلو الأرز نحو (7000) جنيه.
الوقود والترحيل وراء الارتفاعات الصاروخية
وكشفت شعبة تجار وموردي الخضر والفاكهة بولاية البحر الأحمر، عن الأسباب المباشرة وراء القفزات السعرية الأخيرة.
وقال الأمين العام للشعبة، عثمان حمزة محمد، إن الارتفاع الحالي في الأسعار يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الزيادة المستمرة في أسعار الوقود، التي انعكست مباشرة على كلفة شحن البضائع وترحيلها بين الولايات والأسواق.
وأضاف أن ارتفاع إيجارات المخازن والمحال التجارية، إلى جانب تراجع حجم الوارد من الخضر والفاكهة مقارنة بالطلب المتزايد من المستهلكين، أسهم في زيادة الضغوط على الأسواق ودفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
بين الضرورات المالية وأعباء المعيشة
ومع استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني وتصاعد تكاليف الإنتاج والاستيراد، يبقى قرار رفع الدولار الجمركي محل جدل واسع بين من يراه ضرورة مالية لمواكبة المتغيرات الاقتصادية، ومن يعتبره خطوة ستعمق الأزمة المعيشية وتزيد الضغوط على المواطنين، في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني واحدة من أصعب مراحله خلال العقود الأخيرة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...