اتحاد المخابز: عدم استقرار سعر الصرف يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين
مطالبات بتكوين "غرفة طوارئ اقتصادية" تتولى إدارة الأزمة
خبراء يربطون ارتفاع الدقيق بانهيار العملة السودانية
د. تيمان: وقف الحرب شرط أساسي ومفصلي للخروج من أزمة ارتفاع أسعار الخبز
الغرفة التجارية عطبرة: ارتفاع أسعار السلع المستوردة والمنتجة محليًا لهذا السبب
د. الناير: الحل الجذري يكمن في زيادة الإنتاج والإنتاجية، وتوسيع الصادرات
صاحب مخابز: توقعات بزيادة سعر الرغيفة وتصاعد أسعار الخميرة
تقرير: ناهد محمد
تشهد الأسواق هذه الفترة ارتفاعًا جنونيًا وزيادات تنوء "جيوب" المواطنين عن تحملها، بعد أن فقدوا مصادر الدخل وتوقفت دواليب العمل منذ الخامس عشر من أبريل 2023، حيث اندلعت الحرب، والتي أدت بدورها إلى زيادة نسبة البطالة وتصاعد حدة الفقر، مع الارتفاع المستمر في التضخم وتدهور الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، حيث تجاوز سعر الدولار الواحد حوالي 7 آلاف جنيه، وسط توقعات بأن يصل سقف الـ8 آلاف جنيه خلال أيام.
وانسحب تصاعد أسعار العملات الأجنبية على بقية السلع، تركيزًا على أهم سلعة معيشية استهلاكية، وهي سلعة الدقيق، حيث تجاوز سعر الجوال زنة (25) ما بين 107 و108 آلاف جنيه، بعد أن كان السعر لا يتعدى الـ70 ألف جنيه.
بينما ارتفعت كرتونة الخميرة زنة (10) كيلوغرامات من 145 ألف جنيه إلى 180 ألف جنيه، وعزا اتحاد المخابز السوداني والمختصون هذا الارتفاع إلى تصاعد أسعار صرف الدولار وانهيار العملة.
نائب رئيس اتحاد المخابز، عصام عكاشة، عزا الزيادات المتكررة في أسعار الدقيق إلى الانهيار الحاد في قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الحرة، وعلى رأسها الدولار الأمريكي.
وقال في إفادته لـ«صوت الأمة» إن غالبية مدخلات صناعة الدقيق وتكاليف الاستيراد والترحيل مرتبطة مباشرة بسعر الدولار في السوق الموازية، مما يجعل أي تراجع إضافي في سعر الصرف ينعكس فورًا على أسعار السلع الاستراتيجية.
وأضاف أن استمرار انحدار الجنيه يعني استمرار ارتفاع الأسعار.
وأشار عكاشة إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في السلعة نفسها، وإنما في تدهور العملة الوطنية.
وأكد أن عدم استقرار سعر الصرف يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين، ويؤدي إلى زيادات متواصلة لا يمكن السيطرة عليها في ظل الوضع الراهن.
أصحاب المخابز أشاروا إلى ارتفاع التكلفة التشغيلية لسلعة الخبز، مشيرين إلى اتجاههم نحو زيادة سعر قطعة رغيفة الخبز بسبب تصاعد أسعار الدقيق والخميرة.
وأشار الأمين العام السابق لاتحاد المخابز بولاية الخرطوم، (صاحب مخابز) بدرالدين الجلال، للانفلات غير المسبوق في أسعار الدقيق والخميرة.
وقال في حديثه لـ«صوت الأمة»: "هنالك ارتفاع في سعر جوال الدقيق من 70 ألفًا، واليوم وصل السعر إلى 108 آلاف للجوال زنة 25 كيلو، بينما صعد سعر كرتونة الخميرة من 145 إلى 180 ألفًا".
وربط أسعار الدقيق بقيمة العملة السودانية مقابل الدولار، انخفاضًا أو ارتفاعًا.
الخبير الاقتصادي د. عبد الحليم عيسى تيمان أشار إلى وجود عدة عوامل اقتصادية وهيكلية قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق عند تراجع أو انهيار قيمة العملة المحلية، لتحدث ما يُعرف بالضغوط التضخمية.
وقال: من أبرز هذه العوامل: ارتفاع تكلفة استيراد السلع الغذائية كالقمح والوقود بالعملات الأجنبية (التضخم المستورد)، وينعكس ذلك مباشرة على سعر المستهلك النهائي.
وقال: مع انهيار العملة، يزداد الطلب على السلع كالدقيق والسكر كملجأ آمن، حيث يُفضل الأفراد والتجار تحويل أموالهم من العملة النقدية المتآكلة إلى سلع وأصول مادية، مما يؤدي إلى زيادة الطلب عليها وارتفاع أسعارها.
مبينًا في حديثه لـ«صوت الأمة» أنه عندما تبدأ العملة في الانهيار، يلجأ التجار إلى تسعير المنتجات بسعر أعلى من قيمتها الفعلية للحفاظ على رأس مالهم التشغيلي وتغطية تكلفة إعادة شراء نفس السلع لاحقًا بأسعار أعلى.
إلى جانب لجوء بعض الموردين إلى تخزين السلع الضرورية كالدقيق انتظارًا لارتفاع الأسعار، أو نتيجة صعوبة الحصول على النقد الأجنبي اللازم لتمويل الشحنات الجديدة.
ونبه لتأثير القرارات السياسية والتجارية في أوقات الأزمات، تركيزًا على قرار حظر استيراد الأرز وترك استيراد العدس مفتوحًا.
وقال إن سلعة الأرز من أرخص الحبوب على المستوى العالمي مقارنة بالقمح والعدس، وهو يمثل بديلًا نشويًا مباشرًا ومستقلًا للخبز المصنوع من دقيق القمح.
بينما سلعة العدس تُستهلك غالبيتها العظمى برفقة الخبز، إذًا، إبقاء استيراد العدس مفتوحًا يعني بقاء الطلب على الخبز (ودقيق القمح) مستمرًا وقويًا؛ فالعدس لا يُغني عن الخبز بل يتطلب وجوده، بينما الأرز يمكن أن يُستهلك كوجبة قائمة بذاتها دون الحاجة إطلاقًا لاستخدام الخبز أو دقيق القمح، مما يجعله خطرًا مباشرًا على حصة سوق دقيق القمح.
بالإضافة إلى ذلك، (والحديث للخبير الاقتصادي تيمان)، فإن الأرز يخلق بديلًا رخيصًا ومنافسًا صريحًا للخبز، مما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على القمح وتراجع أرباح شبكات استيراد وطحن الدقيق.
لذلك، قرار منع أو تقييد استيراد الأرز مع فتح باب استيراد العدس (الأغلى عالميًا والضروري للاستهلاك مع الخبز) يُعد من الناحية الاقتصادية خطأً كبيرًا في إدارة أزمة الأمن الغذائي؛ فهو يحرم المواطن من بديل نشوي رخيص ومتاح عالميًا.
تضارب مصالح
وأبان د. عبد الحليم أن هذا التناقض يغذي الفرضية القائلة بوجود ضغط وتضارب مصالح من قِبل كبار تجار ومستوردي الدقيق والمطاحن للحفاظ على مركزية الخبز والدقيق في الوجبة اليومية، وتجنب ظهور بديل استهلاكي يهدد حجم مبيعاتهم ونفوذهم التجاري في أوقات الشدة.
في الوقت الراهن، هناك انكماش في القدرة الشرائية وتراجع السيولة وانقطاع الرواتب في المدن، وانعكس ذلك على انخفاض أسعار الماشية والسلع المحلية.
وقال: «عندما ينخفض سعر الماشية (المنتج المحلي) بشكل حاد، وتتضاعف أسعار السلع الاستهلاكية والمستوردة كالدقيق والزيوت، يفقد المزارع والراعي قدرته على شراء السلع الأساسية.
إذا كان الراعي سابقًا يبيع خروفًا واحدًا ليشتري كمية معينة، فهو الآن يحتاج إلى بيع 3 أو 4 خراف للحصول على نفس الكمية».
إنذار مبكر
مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تُعد أحد مؤشرات الإنذار المبكر للوصول إلى حالة المجاعة، وبالتالي هناك مخاطر حقيقية للوصول إلى المجاعة تتسع كل يوم.
منبهًا إلى أن المجاعة في الاقتصادات المتأثرة بالحرب لا تحدث فقط بسبب "غياب الغذاء من الأسواق"، بل بسبب عجز الناس عن الوصول إليه لشراء السلع.
ومع تعذر الزراعة والتصنيع المحلي، وتآكل الثروة الحيوانية، وتقلص المساحات المزروعة، وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، يُصبح خطر انتشار المجاعة أفقيًا مسألة وقت ما لم تتوقف المعارك، وتُفتح معابر التجارة والإغاثة، وتُستعاد القدرة التشغيلية والإنتاجية للأسواق المحلية.
وعن ماهية الحل للخروج من هذه الأزمة الطاحنة وخطر المجاعة المحدق، اعتبر الخبير الاقتصادي د. عبد الحليم عيسى تيمان وقف الحرب الشرط الأساسي والمفصلي والأسرع أثرًا للخروج من أزمة ارتفاع أسعار الخبز وتفادي المجاعة الشاملة؛ فكل الحلول الاقتصادية والتدخلات الإنسانية تظل مسكنات مؤقتة ومحدودة الأثر ما لم تتوقف العمليات العسكرية.
وقال إن إيقاف الحرب يتيح للمزارعين العودة لأراضيهم وآلياتهم وآبارهم دون خوف من الاستهداف بالمسيرات أو الاشتباكات المباشرة.
إلى جانب أن وقف الحرب يسمح بصيانة البنية التحتية للري، وتوفير التقاوي والوقود والمدخلات في مواقيتها، مما يعيد للبلاد قدرتها على إنتاج الذرة والقمح محليًا وتقليل الاعتماد على الاستيراد الباهظ.
وقف الحرب وتأمين الطرق
وقال: وقف الحرب يعني تفكيك حصار أقاليم الإنتاج (مثل دارفور وكردفان والجزيرة) وتأمين الطرق بين ولايات الإنتاج ومراكز الاستهلاك، مما يسمح بتدفق الماشية والمنتجات الزراعية إلى الأسواق الحضرية، وازدياد الصادرات، وتراجع أسعار السلع المستوردة نتيجة انخفاض مخاطر النقل.
وقال: عندما تتوقف الحرب يتوقف النزيف المستمر للعملة الوطنية الناتج عن انعدام الصادرات وتوقف تحصيل الإيرادات العامة، مما يعيد شيئًا من الاستقرار لسعر الصرف ويخفض تكلفة استيراد القمح والسلع الأساسية.
كما أن وقف الحرب يتيح للمنظمات الدولية (مثل برنامج الأغذية العالمي) استيراد وتوزيع القمح والقمح المدعوم والمساعدات النقدية مباشرة إلى الفئات الأكثر هشاشة والمناطق المحاصرة (مثل دارفور وكردفان).
وأضاف عيسى بالقول: "عندما تتوقف الحرب، يسترد المربون والمزارعون قدرتهم على الوصول إلى الأسواق الكبرى لبيع مواشيهم ومنتجاتهم بأسعار عادلة، مما ينهي حالة "البيع الاضطراري" والتبادل غير المتكافئ، ويعيد للريف قوته الشرائية لشراء الخبز والسلع الاستهلاكية".
ويختفي وجود الارتكازات المسلحة والجبايات غير القانونية التي ترفع تكلفة نقل السلع والدقيق إلى أرقام خيالية.
الدولار.. مستويات قياسية
رئيس الغرفة التجارية عطبرة، سيف الدين مقلد، قال في إفادته لـ«صوت الأمة» إن موجة ارتفاع الأسعار الحالية لم تقتصر على سلعة الدقيق وحدها، بل شملت جميع السلع المستوردة والمنتجة محليًا، نتيجة للارتفاع المتواصل في سعر صرف الدولار بالسوق الموازية وزيادة الدولار الجمركي.
وأشار إلى أن جميع مطاحن الدقيق الكبرى في البلاد ـ "سيقا" و"سين" و"ويتا" و"روتانا" ـ تعتمد بشكل كامل على استيراد القمح، مما يجعلها تتأثر مباشرة بتذبذب سعر الصرف الذي وصل إلى مستويات قياسية.
وأضاف أن العامل الثاني المؤثر هو انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، حيث تضطر المطاحن إلى تشغيل المولدات باستخدام الجازولين الذي شهد بدوره ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، الأمر الذي انعكس سلبًا على تكلفة التشغيل والإنتاج.
وكشف مقلد أن أسعار جوال الدقيق زادت خلال الـ10 أيام الماضية بنحو 25 ألف جنيه، ليرتفع سعر الجوال إلى مستويات أعلى بنسبة تقارب 30%.
وأشار إلى أن هذا الارتفاع بدأ ينعكس على وزن الرغيف في المخابز، حيث لجأ أصحاب المخابز إلى تخفيض الوزن للحفاظ على استمرار العمل وتحقيق هامش ربح مجزٍ، في انتظار التوصل إلى تسعيرة توافقية مع الجهات الاقتصادية واتحاد أصحاب المخابز.
وحذر من استمرار هذا المنحنى التصاعدي في الأسعار، مؤكدًا أن التأثير لن يقتصر على الخبز فقط، بل سيمتد إلى السكر والزيت وبقية السلع الاستهلاكية الأساسية، مما سيؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطن.
وطالب بتدخل عاجل من الدولة لمعالجة الارتفاع غير المسبوق في السوق الموازية، واصفًا الوضع الحالي بأنه "تصاعد مضطرد ومؤثر" يتطلب معالجات جذرية في فترة وجيزة.
الخبير الاقتصادي د. محمد الناير
أشار إلى أن أزمة ارتفاع الأسعار لم تعد مقتصرة على سلعة مستوردة بعينها، بل امتدت لتشمل كافة السلع المنتجة محليًا، نتيجة للارتباط الوثيق بين تكلفة الاستيراد وتكلفة الإنتاج المحلي.
ضخ احتياطي أجنبي
وتطرق الناير في إفادته لـ«صوت الأمة» إلى السياسة الأخيرة التي أعلنها بنك السودان المركزي بتحرير سعر الصرف ومنح المصارف حرية شراء حصائل الصادر بالسعر الذي تحدده. واعتبر أن هذه السياسة «كان يمكن أن تحقق نتائج إيجابية» بشرط توفير دعم نقدي أجنبي عاجل.
وقال: "السياسة تحتاج إلى ضخ احتياطي من النقد الأجنبي لمدة شهرين على الأقل، حتى تنجح في استقطاب حصائل الصادر عبر القنوات الرسمية. وكان يمكن أيضًا إنشاء صرافات جديدة لدعم هذا المنشور".
مطالبًا بالتخلي عن "كثرة اللجان" والاتجاه فورًا لتكوين "غرفة طوارئ اقتصادية" تتولى إدارة الأزمة في المدى القصير، وتنفيذ عملية استبدال كامل للعملة السودانية وطباعة فئات جديدة مع حذف أصفار، للحد من التزوير وسحب الكتلة النقدية المنهوبة من السوق.
مع إيقاف تهريب الذهب وإدخاله في الاقتصاد الرسمي، باعتباره الرافد الأهم لاستقرار سعر الصرف في الوقت الراهن.
أما على المدى المتوسط والبعيد، شدد د. الناير على أن الحل الجذري يكمن في زيادة الإنتاج والإنتاجية، وتوسيع الصادرات، وإحلال الواردات، وتوفير القمح محليًا لتخفيف فاتورة الاستيراد على المطاحن.
مع التأكيد على ضرورة اتخاذ "قرارات عاجلة وسريعة" ودعم سياسات البنك المركزي باحتياطيات كافية، مشددًا على أهمية فرض "أحكام رادعة وقوية" بحق كل من يثبت تورطه في تخريب الاقتصاد الوطني.



التعليقات (0)
جاري التحميل...