"ذاكرة وطن وحصن اقتصاد عابر للسنوات" في مهب رياح الدمج
"70" عامًا من الخبرة على المحك
مسؤول سابق: دمج الشركات لا يتحقق بمجرد نقل تبعيتها، ويجب استكمال مجموعة من الإجراءات الأساسية
تساؤلات حول مدى اتساق القرار مع رؤية متكاملة لإعادة هيكلة القطاع، وتحقيق المنافسة العادلة، وترشيد الإنفاق الحكومي
تقرير: ناهد محمد
في السادس عشر من فبراير 2025، أُعلن رسميًا عن ولادة كيان جديد يجمع ثلاث شركات عاملة في قطاع النفط (شركة النيل للبترول المحدودة، وشركة بشائر للطاقة، وشركة بتروترانس).
الإعلان الذي صدر باسم بشائر سابقًا، بالتنسيق مع النيل، قال بالنص: «انتقال كافة حقوق والتزامات بشائر التجارية والقانونية التي لها أو عليها إلى شركة النيل للبترول، بما في ذلك الأصول المادية والثابتة والمتداولة والمعنوية وجميع العاملين وأي التزامات مالية أو قانونية تجاه العملاء والشركاء والموردين».
سيناريوهات محتملة:
من خلال المبررات الرسمية للدمج، والشكاوى والمحاذير من الخطوة، تظهر سيناريوهات محتملة لمستقبل الشراكة، حيث إن السيناريو الأول يتطلب تصحيح المسار بمراجعة مستقلة، وهو ما تطالب به المذكرات، بوقف أي إجراءات جديدة تغيّر هيكل النيل للبترول، وإخضاع الالتزامات لمراجعة محاسبية وقانونية مستقلة، ومراجعة التعيينات بمعايير الكفاءة، مع حماية حقوق العاملين والوكلاء، وإعلان النتائج بشفافية، بما يحفظ 70 عامًا من الخبرة، ويعالج اختلالات بشائر وبتروترانس دون إخفائها.
أما السيناريو الثاني، فهو استمرار الاستحواذ وبقاء الهيكل الحالي باحتكار إداري واحد، وهو ما يحذر منه الشاكون، إذ يرون أنه سيؤدي إلى «إفراغ النيل من مقوماتها ومحو هويتها والإبقاء على اسمها فقط، مع تهديد استقرار إمدادات قطاعات سيادية».
والسيناريو الثالث: فك الارتباط المنظم، من خلال إعادة تقييم جدوى الدمج وإمكانية فصل الأنشطة: النيل للتسويق والتوزيع الاستراتيجي، وبتروترانس للنقل، وبشائر كشبكة محطات، مع شراكات واضحة بدلًا من الدمج الكلي.
وكما جاء في إحدى المذكرات، فإن «المؤسسات الوطنية العريقة ليست مجرد مبانٍ تُدار أو أختام تُمهر، بل هي ذاكرة وطن وحصن اقتصاد عابر للسنوات».
أشار مسؤول سابق بشركة النيل إلى أن عملية الدمج بصورتها الحالية تثير تساؤلات جوهرية حول جدواها الاقتصادية، وسلامة إجراءاتها، ومدى استيفائها للمتطلبات المؤسسية والقانونية اللازمة. وقال إن الدمج في حد ذاته ليس هدفًا، وإنما وسيلة لتحقيق الكفاءة، وتعظيم الاستفادة من الأصول، وخفض التكاليف، وتحسين الأداء، وتعزيز القدرة التنافسية للشركات. ولذلك، فإن نجاحه مرهون بوجود دراسة متكاملة تسبق التنفيذ، وتحدد بوضوح أهدافه وتكاليفه ومنافعه والمخاطر المترتبة عليه.
وأبان أن اتخاذ قرار بهذا الحجم في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد بسبب الحرب يثير تساؤلات مشروعة بشأن مدى ملاءمة التوقيت. فانتشار الأصول والممتلكات والمرافق التشغيلية في مناطق مختلفة من السودان، وما يترتب على الحرب من صعوبات في الوصول إليها والتحقق من حالتها وقيمتها، يجعل إجراء تقييم دقيق وشامل للأصول والالتزامات أمرًا بالغ التعقيد.
ومن ثم، فإن المضي في عملية الدمج دون استكمال التقييمات والدراسات اللازمة قد يؤدي إلى نقل أصول والتزامات إلى الشركة الدامجة دون وضوح كافٍ بشأن قيمتها الحقيقية أو آثارها المالية والتشغيلية.
وقال في إفادته لـ«صوت الأمة»: سبق أن أوصت لجان مختصة، عند مناقشة تقليص عدد شركات توزيع المنتجات البترولية، بأن تبدأ الحكومة بدمج شركاتها أو إعادة هيكلتها، لتقديم نموذج عملي يمكن أن تسترشد به الشركات الأخرى في تنظيم أوضاعها، وفقًا لطبيعة أنشطتها ومصالحها.
غير أن التساؤل المطروح هو: لماذا اقتصر الدمج على شركة النيل للبترول وشركتي بشائر للطاقة وبتروترانس، دون أن يشمل شركات حكومية أخرى تعمل في القطاع، مثل شركة قادرة للبترول، وشركة المنتجات البترولية (أمان)، وشركة سنابل للبترول؟
مبينًا أن عدم وضوح المعايير التي حُددت بموجبها الشركات المشمولة بالدمج، وأسباب استبعاد غيرها، يثير تساؤلات حول مدى اتساق القرار مع رؤية متكاملة لإعادة هيكلة القطاع، وتحقيق المنافسة العادلة، وترشيد الإنفاق الحكومي.
ونوّه إلى أن دمج الشركات لا يتحقق بمجرد نقل تبعيتها أو الإعلان عن انتقال حقوقها والتزاماتها، بل يتطلب استكمال مجموعة من الإجراءات الأساسية، من أبرزها:
التقييم المستقل للأصول والخصوم.
المراجعة المالية والقانونية: حصر الديون والمطالبات والالتزامات التعاقدية والنزاعات القائمة، والتحقق من الحقوق والالتزامات التي ستنتقل إلى الشركة الدامجة.
توحيد الهياكل التنظيمية والوظيفية: إعداد هيكل تنظيمي ووظيفي وراتبي موحد، يعالج الفوارق بين الشركات، ويحدد الاختصاصات والمسؤوليات، ويضمن العدالة بين العاملين واستمرارية العمل.
إعداد خطة تشغيلية ومالية متكاملة: تحديد الوفورات المتوقعة، والتكاليف الانتقالية، والموارد المطلوبة، ومؤشرات الأداء التي يمكن من خلالها قياس نجاح الدمج.
استكمال الإجراءات القانونية والمؤسسية: التحقق من استيفاء الموافقات اللازمة، وصحة القرارات الصادرة عن الجهات المختصة، وسلامة الإجراءات المتعلقة بالأصول والحقوق والالتزامات والعاملين.
وفي ظل الظروف الراهنة، تبرز الحاجة إلى التحقق مما إذا كانت هذه المتطلبات قد استُوفيت بالفعل، أم أن التنفيذ قد سبق استكمالها. فعدم استيفائها قد يؤدي إلى مشكلات مالية وإدارية وقانونية يصعب معالجتها لاحقًا.
دراسة مستقلة
وقال إن إدراج شركة بتروترانس في عملية الدمج يستحق دراسة مستقلة، نظرًا لاختلاف طبيعة نشاطها المرتبط بالنقل والخدمات اللوجستية البترولية عن أنشطة تسويق وتوزيع المنتجات البترولية.
فلكل نشاط متطلباته التشغيلية والفنية والمالية، كما أن لكل شركة أصولها والتزاماتها ومخاطرها الخاصة. ولذلك، ينبغي أن يستند قرار دمج بتروترانس إلى دراسة جدوى مستقلة توضح مدى التكامل بين أنشطتها وأنشطة شركة النيل للبترول، وأثر الدمج في كفاءة النقل وتكاليفه واستمرارية الإمدادات، مع معالجة أي مشكلات قائمة قبل نقل الالتزامات.
وحول وضع شركة بشائر للطاقة والتزاماتها، أشار إلى أن الوضع المالي والقانوني لشركة بشائر للطاقة يستوجب عناية خاصة، في ضوء ما أُثير بشأن أوضاعها المالية السابقة والمخاطر المرتبطة بالتزاماتها. وإذا ثبت أنها كانت تواجه تعثرًا ماليًا أو التزامات كبيرة، فإن نقل حقوقها والتزاماتها إلى شركة النيل للبترول دون إجراء فحص مالي وقانوني شامل قد يحمّل الشركة الدامجة أعباء إضافية، وينعكس سلبًا على مركزها المالي وقدرتها على أداء مهامها.
وفي هذا السياق، صدر إعلان عن شركة بشائر للطاقة المحدودة يفيد بانتقال جميع حقوقها والتزاماتها التجارية والقانونية إلى شركة النيل للبترول المحدودة، بما يشمل العقود والشراكات والتعاملات السابقة والأصول والعاملين والالتزامات تجاه العملاء والموردين والشركاء.
ومع أهمية هذا الإعلان في توضيح الجهة التي ستتولى التعامل مع الأطراف ذات الصلة، فإنه لا يُعد، بمفرده، دليلًا على اكتمال جميع متطلبات الدمج أو سلامة تقييم الأصول والالتزامات أو استيفاء الموافقات القانونية والمؤسسية اللازمة. كما أن الإعلان عن انتقال الالتزامات يجعل من الضروري إتاحة المعلومات المتعلقة بحجمها وطبيعتها، والإجراءات التي اتُّخذت للتحقق منها، والآثار المتوقعة على المركز المالي لشركة النيل للبترول.
كما توجد تساؤلات تستوجب التحقق والتوثيق بشأن تاريخ ملكية شركة بشائر للطاقة ومصادر تمويلها والجهات التي آلت إليها أسهمها عبر المراحل المختلفة.
فقد أُثير أن لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو كانت قد اتخذت قرارًا بشأن الشركة، وأن أسهمًا آلت إلى وزارة المالية، استنادًا إلى ما قيل عن تمويل حكومي مرتبط بميزانية القوات المسلحة. كما أُشير إلى انتقال تبعية الشركة بين جهات مختلفة، وصولًا إلى وزارة الطاقة وصندوق معاشات القوات المسلحة، مع الإشارة إلى نسبة ملكية تبلغ 60%.
وهذه مسائل لا يصح حسمها بالاستنتاج أو التداول غير الموثق، بل ينبغي الرجوع إلى قرارات الجهات المختصة، وسجلات المساهمين، ومستندات التمويل، ومحاضر نقل الملكية، والنظام الأساسي للشركة، للتحقق من الوضع القانوني الدقيق لكل مساهم، ونسب الملكية، وطبيعة الصندوق المعني وصفته القانونية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند تقييم مشروعية إجراءات الدمج، وتحديد الجهة صاحبة الاختصاص في الموافقة عليه، وضمان حماية حقوق الدولة والمساهمين وسائر الأطراف المعنية.
وحول المخاطر المحتملة على شركة النيل للبترول، أوضح المسؤول السابق أن شركة النيل للبترول تمثل إحدى المؤسسات العاملة في قطاع حيوي يرتبط مباشرة بأمن الإمدادات واستقرار النشاط الاقتصادي. ومن ثم، فإن تحميلها أصولًا والتزامات جديدة دون تقييم شامل، أو دمج أنشطة مختلفة دون خطة واضحة، قد يؤدي إلى زيادة الأعباء المالية والإدارية، وإرباك الهياكل الوظيفية، وتعقيد المسؤوليات، وإضعاف الكفاءة التشغيلية بدلًا من تحسينها.
وقال إن ذلك لا يعني أن الدمج مرفوض من حيث المبدأ، وإنما يعني أن نجاحه يتطلب أسسًا واضحة، وبيانات مالية موثوقة، وإجراءات قانونية سليمة، ورقابة مؤسسية فعالة. فالمطلوب هو حماية شركة النيل للبترول وتعزيز قدرتها على أداء دورها، لا تحميلها مخاطر إضافية دون بيان المردود المتوقع منها.
وحرصًا على المصلحة العامة، أشار إلى أهمية اتخاذ خطوات عملية تتمثل في:
نشر الأسس والمعايير التي بُني عليها قرار الدمج، وتوضيح مبررات اختيار الشركات المشمولة به.
إجراء مراجعة مالية وقانونية مستقلة لكل شركة، مع الإفصاح للجهات الرقابية المختصة عن نتائجها.
التحقق من تقييم الأصول والخصوم والالتزامات، وتوثيق إجراءات نقل الملكية والحقوق.
مراجعة الوضع القانوني لشركة بشائر للطاقة وتاريخ ملكيتها ومصادر تمويلها، استنادًا إلى المستندات الرسمية.
إعداد هيكل تنظيمي ووظيفي وراتبي موحد، وخطة تشغيلية ومالية واضحة للشركة بعد الدمج.
تقييم جدوى ضم بتروترانس بصورة مستقلة، بالنظر إلى اختلاف طبيعة نشاطها.
إخضاع العملية لمراجعة الجهات القانونية والرقابية المختصة، واتخاذ ما يلزم لمعالجة أي أوجه قصور تظهر في الإجراءات.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان دمج الشركات أمرًا محمودًا أو مرفوضًا في حد ذاته، بل ما إذا كان قد أُنجز وفق دراسة متكاملة، وإجراءات قانونية سليمة، وتقييمات مالية موثوقة، ورؤية استراتيجية واضحة تخدم مصلحة قطاع البترول والدولة.
أما إذا تم الدمج على عجل، دون استكمال هذه المتطلبات أو توضيح أعبائه ومنافعه، فإنه قد يتحول من أداة للإصلاح إلى مصدر لمشكلات مالية وإدارية وقانونية جديدة.
ولذلك، فإن التحفظ على العملية بصورتها الحالية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رفضًا للتطوير أو إعادة الهيكلة، وإنما هو دعوة إلى مراجعة موضوعية ومسؤولة تضمن سلامة القرارات، وتحمي المال العام، وتصون حقوق العاملين والمساهمين، وتعزز كفاءة شركات القطاع.
فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الشركات التي جرى دمجها، وإنما بما يحققه من كفاءة وشفافية واستدامة مالية، وبقدرته على تطوير القطاع وخدمة المصلحة العامة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...