خاص ــ صوت الأمة
تشهد مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان أوضاعًا إنسانية بالغة التعقيد والخطورة، في ظل تدهور متسارع للأوضاع المعيشية والخدمية نتيجة استمرار الحرب واتساع نطاق تأثيراتها المباشرة على حياة المدنيين، الأمر الذي أدخل المدينة ومحيطها في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وتعاني المدينة من انعدام شبه كامل لإمدادات المياه في معظم أحيائها، عقب الاستهداف المتكرر للمرافق الخدمية بالطائرات المسيّرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار المياه، حيث بلغ سعر برميل المياه غير الصالحة للشرب نحو 24 ألف جنيه، فيما وصل سعر جركانة المياه الصالحة للشرب إلى 3500 جنيه، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية التي يواجهها المواطنون في سبيل الحصول على أبسط مقومات الحياة.
وفي السياق ذاته، أدى استمرار الهجمات على البنية التحتية الحيوية إلى انقطاع التيار الكهربائي واندلاع أزمة حادة في الوقود، بعد تعرض مستودعات الإمداد للاستهداف المتكرر، إلى جانب استهداف تناكر الوقود والمرافق المرتبطة بالخدمات الأساسية، مما تسبب في ندرة غير مسبوقة في المحروقات. وارتفع سعر جالون البنزين إلى نحو 150 ألف جنيه، بينما بلغ سعر جالون الجازولين حوالي 75 ألف جنيه، الأمر الذي أدى إلى شلل شبه كامل في حركة المواصلات داخل المدينة، واضطر غالبية المواطنين إلى استخدام وسائل النقل التقليدية أو السير لمسافات طويلة على الأقدام.
كما شهدت الأسواق المحلية ارتفاعًا حادًا وغير مسبوق في أسعار السلع الغذائية والاحتياجات الأساسية، مما ضاعف الأعباء الاقتصادية على المواطنين الذين يعيشون أصلًا ظروفًا إنسانية ومعيشية بالغة القسوة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وانعدام مصادر الدخل لدى قطاعات واسعة من السكان.
ومن ناحية أخرى، أعلنت قوات الدعم السريع فتح ما وصفتها بممرات آمنة لخروج المدنيين من المدينة، إلا أن هذه الخطوة تأتي في وقت تفتقر فيه المدينة إلى وسائل الحركة والنقل نتيجة أزمة الوقود الخانقة، الأمر الذي يجعل عملية الخروج شبه مستحيلة بالنسبة لغالبية السكان، خاصة أن عدد سكان المدينة يُقدَّر بما لا يقل عن مليونين ونصف المليون نسمة يواجهون أوضاعًا إنسانية شديدة التعقيد.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى محليات بارا، وغرب بارا، وسودري، وحمرة الشيخ، التي تشهد بدورها نقصًا حادًا في السلع والمواد الغذائية نتيجة توقف الحركة التجارية القادمة من الولاية الشمالية وولايتي الخرطوم والنيل الأبيض، إضافة إلى القيود المفروضة على حركة البضائع القادمة من مدينة الأبيض، مما فاقم معاناة المواطنين في تلك المناطق.
ويتزامن ذلك مع تدهور مقلق في الأوضاع الأمنية على الطرق الرئيسية والفرعية، حيث تصاعدت عمليات النهب المسلح واستهداف المركبات والمسافرين بواسطة عصابات إجرامية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل حركة التجارة والإمدادات، وزاد من عزلة المناطق المتأثرة.
وفي ظل هذا المشهد الإنساني الكارثي، أصدرت عدة جهات دولية، من بينها الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وعدد من الدول الأخرى، بيانات أعربت فيها عن قلقها البالغ إزاء التطورات الجارية، مطالبة قوات الدعم السريع بوقف التحشيد العسكري باتجاه مدينة الأبيض، والالتزام بحماية المدنيين، وضمان فتح ممرات إنسانية عاجلة وآمنة لتسهيل وصول المساعدات وتجنب كارثة إنسانية وشيكة تهدد مئات الآلاف من المدنيين. كما طالبت بضرورة إقرار هدنة إنسانية تمهيدًا للعودة إلى المفاوضات، وإنهاء الحرب، وتصميم عملية سياسية سودانية شاملة وذات مصداقية.
إن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل وفاعل ينذر بتحول مدينة الأبيض ومحيطها إلى بؤرة لكارثة إنسانية مفتوحة، في ظل الحصار الفعلي، والانهيار المتسارع للخدمات الأساسية، والعجز



التعليقات (0)
جاري التحميل...