صوت الأمة ــ سارة عطية

وسط آلاف المهاجرين الذين تدفقوا من المغرب إلى مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، أواخر يوليو الماضي، كان سودانيون يخطون آخر مراحل رحلة شاقة بدأت من وطن تمزقه الحرب، وامتدت عبر الصحراء ودول شمال وغرب أفريقيا، قبل أن تنتهي عند إحدى بوابات أوروبا.

ووثق شاب سوداني، عبر هاتفه المحمول، لحظة دخوله إلى سبتة برفقة عشرات المهاجرين، وظهر وهو يعبر عن فرحته قائلاً: «إلى أوروبا... بالرجلين... أوروبا بالمجان». لكن المقطع لم يوثق ما سبق الوصول من مخاطر، ولا ما واجهه المهاجرون بعد عبور الحدود.

سبتة.. الوصول لا يعني الأمان

ووفق تقديرات وزارة الداخلية الإسبانية، دخل عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة خلال أيام قليلة، وكان معظمهم من المغاربة، إلى جانب مهاجرين من عدد من الدول الأفريقية، بينهم سودانيون.

غير أن الوصول إلى المدينة لم يكن نهاية الرحلة، بل بداية معاناة جديدة. فقد أعلنت السلطات الإسبانية انتشال جثامين 57 شخصًا من جانبها من الحدود، وسط ترجيحات بوجود ضحايا آخرين في الجانب المغربي. وتوفي بعضهم غرقًا، بينما لقي آخرون مصرعهم نتيجة التدافع خلال محاولة اجتياز الحاجز البحري والسياج الحدودي.

 

وكان من بين العابرين السوداني محمد أحمد (43 عامًا)، الذي قال لوكالة رويترز إن شاحنة أنزلته مع مهاجرين آخرين بالقرب من الحدود، قبل أن يسبح أربع ساعات كاملة حتى وصل إلى سبتة.

وبعد وصوله وجد نفسه عالقًا وسط اكتظاظ مراكز الاستقبال، وإغلاق المتاجر، ونقص الغذاء، وتعذر الانتقال إلى البر الإسباني. ورغم ذلك تمسك بالبقاء، قائلاً:

لن أعود... أفضل الموت وأنا أحاول هنا.

واضطر أكثر من 48 ألف مهاجر إلى العودة إلى المغرب بعد أن وجدوا أنفسهم بلا مأوى أو وسيلة لمواصلة الرحلة، في مشهد يؤكد أن الوصول إلى منطقة خاضعة لدولة أوروبية لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة.

فواجع سودانية في البحر

وبينما احتفل الشاب السوداني بوصوله إلى سبتة، انتهت رحلات سودانيين آخرين في مياه البحر المتوسط.

ففي أغسطس 2025، انتشلت فرق الإنقاذ جثامين ثلاث شقيقات سودانيات، تتراوح أعمارهن بين تسعة و17 عامًا، من داخل قارب غمرته المياه والوقود قبالة السواحل الليبية.

وكان القارب قد انطلق من مدينة زوارة باتجاه إيطاليا، قبل أن يتعرض لأمواج مرتفعة، فيما تمكنت منظمة «ريسكشيب» الألمانية من إنقاذ 65 شخصًا، بينهم والدة الفتيات وشقيقهن.

 

وفي سبتمبر من العام نفسه، انقلب قارب قبالة مدينة طبرق كان يقل 74 شخصًا، معظمهم لاجئون سودانيون، ولم ينجُ سوى 13 شخصًا.

وفي أبريل 2026، غرق قارب آخر كان يحمل 33 لاجئًا سودانيًا، ما أسفر عن وفاة 17 شخصًا وفقدان تسعة آخرين، بينما نجا سبعة فقط.

وتعكس هذه الحوادث تصاعد الهجرة غير النظامية وسط السودانيين تحت ضغط الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، وصل 12,684 سودانيًا إلى أوروبا بين يناير ونوفمبر 2025، وهو ما يزيد على ثلاثة أضعاف العدد المسجل خلال الفترة نفسها من عام 2024. ووصل 65% منهم إلى اليونان، و31% إلى إيطاليا، بينما اتجه آخرون إلى إسبانيا.

رحلة برير

من بين الذين تمكنوا من الوصول إلى أوروبا برير محمد، الذي أخفى عن أسرته قرار الهجرة. فقد ظل يحدثهم عن مشروع تجاري جديد، بينما كان يبيع ممتلكاته استعدادًا لرحلته.

وتقول شقيقته نادية، في حديث لـ**«صوت الأمة»**، إن برير تنقل خلال الحرب بين الخرطوم وود مدني وعطبرة، وعمل في مهن يومية مختلفة، لكنه لم يتمكن من تحقيق الاستقرار.

وتضيف: "سألناه عن سبب بيع ممتلكاته، لكنه كان يطمئننا بأن الأمر يتعلق بعمله، ولم نكن نعلم أنه يخطط للهجرة".

 

ثم انقطع الاتصال به لأكثر من شهر، فعاشت الأسرة أيامًا من القلق والخوف، قبل أن تتلقى رسالة عبر تطبيق «واتساب» يخبرهم فيها بأنه وصل إلى أحد معسكرات اللجوء في أوروبا بعد رحلة شاقة.

معركة ما بعد الوصول

يقول الناشط في قضايا المهاجرين السودانيين بدر الدين إبراهيم، في حديث لـ «صوت الأمة»، إن معاناة المهاجرين لا تنتهي بمجرد الوصول، إذ تبدأ مرحلة جديدة من التحديات.

ويشير إلى أن أبرز الصعوبات تتمثل في طول فترة انتظار إجراءات اللجوء، وعدم وضوح المستقبل، وصعوبة تعلم اللغة، والحصول على سكن مناسب أو فرصة عمل، إلى جانب اختلاف الثقافة ونمط الحياة.

ويضيف أن كثيرًا من الوافدين يصلون وهم يحملون آثارًا نفسية قاسية خلفتها الحرب ورحلة الهجرة، بعد تعرض بعضهم للاحتجاز أو الابتزاز أو العنف على أيدي شبكات التهريب، ما يجعلهم في حاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي.

ويحذر بدر الدين من الصورة الوردية التي يروج لها سماسرة الهجرة، مؤكدًا أن بعض الناجين يقضون سنوات في الانتظار والعزلة قبل أن يتمكنوا من بدء حياة مستقرة.

الحرب تصنع اليأس

وترى استشارية علم النفس الدكتورة ابتسام محمود أن الحرب، وفقدان الأقارب، وانهيار مصادر الدخل، دفعت كثيرًا من الشباب إلى اعتبار مخاطر الصحراء والبحر أقل قسوة من البقاء في واقع يائس.

وتوضح، في حديثها لـ «صوت الأمة»، أن الصدمات المتكررة الناتجة عن مشاهد العنف وفقدان الأحبة والانهيار الاقتصادي قد تؤدي إلى القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، داعية إلى توفير الدعم النفسي، وخلق فرص العمل، والتأهيل المهني، إلى جانب تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وتضيف أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تأثير قصص الذين نجحوا في الوصول إلى أوروبا، قد تدفع بعض الشباب إلى اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر بحثًا عن فرصة جديدة للحياة.

وبين محمد الذي سبح أربع ساعات إلى سبتة، وبرير الذي أخفى رحلته عن أسرته، والأم التي وصلت إلى أوروبا من دون بناتها الثلاث، تتجسد حكايات آلاف السودانيين الذين يحاولون الفرار من أتون الحرب، ليجدوا أنفسهم أمام مخاطر جديدة لا تقل قسوة. ويبقى إنهاء الحرب، وتوفير سبل العيش، وفتح مسارات قانونية وآمنة للهجرة، الطريق الأجدى لوقف هذه الرحلات التي يتحول فيها البحث عن الحياة إلى مواجهة جديدة مع الموت.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...