خاص: صوت الأمة

تُلقي التحركات الأخيرة للقيادي البارز في الحركة الإسلامية السودانية أسامة عبدالله بظلال كثيفة على المشهد السياسي والعسكري المعقد في البلاد منذ اندلاع حرب منتصف أبريل. فقد اختار الرجل، الذي يُعرف بديناميكيته العالية وقدرته الاستثنائية على تنظيم الدوائر المغلقة، التواري عن الأنظار السياسية المباشرة ليتفرغ لبناء شبكات إسناد عسكري ومجموعات جهادية داعمة للجيش في مواجهته ضد قوات الدعم السريع.

هندسة العمل السري واستدعاء شبكات الثمانينيات:

لم يكن هذا التحول مجرد استجابة لمقتضيات اللحظة الوطنية أو التنظيمية، بل جاء متسقاً مع طبيعة الرجل التي صقلتها تجارب عقود طويلة في أروقة العمل السري. حيث عمد أسامة عبدالله إلى استدعاء رفاق المفاصل التنفيذية والتنظيمية الذين عملوا معه منذ ثمانينيات القرن الماضي، مروراً بالكادر الوسيط في القطاعات الفئوية المختلفة، مستفيداً من علاقاته الممتدة والتاريخية مع التنظيم العسكري لإنشاء قنوات تنسيقية مباشرة مع عدد من كبار الضباط.

صدمة القيادة وطموح بلا حدود:

هذا المنهج المستقل والعمل بعيداً عن أطر القيادة التقليدية أثارا حفيظة وتوجس القيادة الحالية للحركة الإسلامية، التي رأت في تحركات أسامة نوعاً من التمرد الخفي وتأسيس خط متوازٍ يهدد وحدة القرار التنظيمي. إلا أن أسامة، الموصوف بصلابة الموقف والطموح القيادي الجارف، واصل تشييد مشروعه الخاص دون التأثر بالتحفظات القيادية، متكئاً على كاريزما استقطابية عالية وقدرة فائقة على توفير الإمكانات واللوجستيات لشبكاته التنفيذية، مما يمنح كوادره فاعلية وحرية حركة كبيرة في الميدان.

تقاطعات التيار الجديد: بين كرتي ونافع:

ومع تصاعد هذه التحركات، يبرز التساؤل الجوهري حول مستقبل الخارطة القيادية للإسلاميين، وما إذا كان أسامة في طريقه لتشكيل تيار جديد يكسر موازين القوى التقليدية ويستقل عن هيمنة القيادات التاريخية المتمثلة في علي كرتي وأحمد هارون. ورغم المعطيات التي تشير إلى وجود مسافة تفصله حالياً عن تيار الدكتور نافع علي نافع، إلا أن براجماتية المشهد والضغوط الميدانية دفعت أسامة مؤخراً لإيجاد مساحات للتفاهم والتنسيق الشاق مع علي كرتي، في محاولة لتفادي التصادم المبكر وضبط إيقاع التمدد.

الشبكة الأخطبوطية وهل يولد الزعيم الجديد؟

تكمن القوة الحقيقية لأسامة عبدالله، والتي تجعله مرشحاً فوق العادة لرسم مستقبل الحركة، في شبكته الأخطبوطية الممتدة عبر الأجهزة الفاعلة في الدولة والتنظيم، بدءاً من أروقة السدود والأجهزة الأمنية والعسكرية، وصولاً إلى الواجهات السياسية والشبابية الحديثة التي تدين له بالولاء؛ حيث تشكل منصات مثل "حركة بناء المستقبل" بقيادة محمد الأمين، إلى جانب كوادره المبثوثة في مختلف القطاعات، ظهيراً سياسياً مستعداً لتبني خياراته. هذا الجمع بين المهارات اللوجستية والعلاقات العسكرية الصلبة يجعل من أسامة عبدالله رقماً صعباً في معادلة القيادة، ويعزز فرضية صعوده ليكون الزعيم الذي قد يعيد تشكيل الحركة الإسلامية السودانية وفق رؤيته وأدواته الخاصة في مرحلة ما بعد الحرب.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...