حلمت يوماً ما بالسفر إلى الخرطوم لدراسة القانون وتحقيق حلمها في أن تصبح قاضية
منذ أن وصلت الحرب إلى قريتها للمرة الأولى عام 2003، لم تعرف سميرة معنى الاستقرار. نزحت سبع مرات، وعبرت مسافات طويلة هرباً من القتال، وخسرت خلال رحلتها زوجها وأطفالاً وأفراداً من أسرتها، كما فقدت ذراعها اليمنى وأصيبت إحدى عينيها. واليوم، تجد نفسها لاجئة في جمهورية أفريقيا الوسطى، تحاول إعالة طفليها من خلال بيع كميات قليلة من الأرز والتوابل في سوق مخيم كورسي.
كل صباح، تفرش سميرة أكواماً صغيرة من الأرز والتوابل فوق صينية من الألمنيوم في أحد أركان سوق المخيم. جزء من الأرز الذي تبيعه يأتي من حصتها الغذائية الشهرية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بينما تشتري جزءاً آخر عندما تستطيع، ثم تعيد بيعه بهامش ربح بسيط يساعدها على توفير احتياجات أطفالها.
تجلس المرأة البالغة من العمر 33 عاماً خلف طاولتها المتواضعة، وتلقي التحية على المارة والزبائن. يحيط بوجهها النحيل غطاء أحمر فضفاض، تستخدمه لإخفاء عينها اليمنى المصابة، فيما اعتادت بين الحين والآخر أن تسحب طرفه لتغطي المكان الذي كان يشغله ذراعها اليمنى.
ليست إصابات سميرة سوى جزء من آثار الحرب التي طاردتها منذ طفولتها. فمنذ وصول العنف إلى قريتها الواقعة قرب مدينة تين، على الجانب السوداني من الحدود مع تشاد، عاشت سلسلة متواصلة من النزوح، تنقلت خلالها بين مناطق مختلفة داخل السودان قبل أن تعبر الحدود في نهاية المطاف إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.
كانت رحلتها الأخيرة شاقة وطويلة. استخدمت الحافلات الصغيرة والدراجات النارية وسيارات الأجرة، وسارت لمسافات طويلة على قدميها، حتى وصلت إلى مخيم كورسي، حيث تعيش الآن وسط آلاف السودانيين الذين فروا من الحرب الأخيرة التي اندلعت في السودان عام 2023.
في المخيم، تمتد أكواخ صغيرة مبنية من الخشب والقش والبلاستيك على جانبي ممر ترابي يخترق المنطقة. وفي السوق، يعرض اللاجئون ما يستطيعون توفيره من طماطم وأسماك مجففة وبصل وصابون وملابس مستعملة، بينما يبيع آخرون الفحم والوقود والخضروات والتوابل.
يمر الأطفال بين الأكشاك المزدحمة، بينما تحمل النساء في ملابسهن التقليدية الملونة أكياساً صغيرة من الخضروات والتوابل. ويحاول الجميع تدبير حياتهم اليومية في مستوطنة لم تُبنَ للحياة الدائمة، بل لتوفير مأوى مؤقت لمن فروا من الحرب.
شيد اللاجئون منازلهم بأيديهم من الأغصان والقش، ثم غطوها بأغطية بيضاء وزعتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ومن بعيد تبدو الأكواخ هشة، خصوصاً مع اقتراب موسم الأمطار في شمال شرق جمهورية أفريقيا الوسطى.
في الأيام الأخيرة، بدأت الغيوم الداكنة تتجمع في السماء، إيذاناً بقرب هطول الأمطار. وتعرف سميرة جيداً ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى سكان المخيم؛ فالمطر الغزير قد يحول الممرات إلى أوحال، وقد لا تصمد الأكواخ والأكشاك المبنية من القش والأغطية البلاستيكية أمام الظروف القاسية.
لكن حياة سميرة لم تكن دائماً بهذه الصورة
في قريتها الأولى، كانت الحياة تسير وفق إيقاع الفصول. كانت أسرتها تزرع الأرض خلال موسم الأمطار، ثم تنتقل مع المواشي عندما يحل موسم الجفاف. وكانت الزراعة والرعي مصدر رزق العائلة، في نمط حياة توارثته أجيال من السكان على جانبي الحدود.
وكانت هناك مدرسة في القرية، وكانت سميرة تحب الدراسة. لم تكن طفلة تفكر في النزوح أو اللجوء أو الحدود، بل كانت تحلم بمستقبل مختلف. أرادت أن تذهب يوماً إلى الخرطوم لدراسة القانون في الجامعة، وأن تصبح قاضية تساعد الناس على الحصول على حقوقهم.
تقول سميرة إنها كانت تريد أن تساعد الناس على تحقيق العدالة.
لكن عام 2003 غيّر كل شيء.
اندلعت الحرب في دارفور بعدما حملت جماعات متمردة، معظمها من مجتمعات كانت تشكو من التهميش السياسي والاقتصادي، السلاح ضد الحكومة السودانية. وردت الحكومة بحملة عسكرية واسعة، استعانت خلالها بالجيش وميليشيات عربية عُرفت باسم الجنجويد، وسط أعمال عنف واسعة النطاق.
بالنسبة إلى قرى دارفور، كان وقع الحرب مدمراً. تتذكر سميرة أصوات الطائرات الحربية وهي تحلق فوق المنطقة قبل أن تصل الهجمات إلى الأرض. كانت القرى تتعرض للقصف والحرق والنهب، فيما يفر السكان بما يستطيعون حمله.
كانت سميرة في العاشرة من عمرها عندما بدأت تلك الرحلة التي لم تنتهِ حتى اليوم.
تنقلت الأسرة من مكان إلى آخر، وتفرقت الطرق بالسكان، واختفت وجوه كانت تعرفها. ومع مرور السنوات، أصبحت العودة إلى الحياة القديمة أمراً أكثر صعوبة.
بعد سنوات من التنقل داخل دارفور، تزوجت سميرة من رجل ينتمي إلى مجتمع الزغاوة، وانتقلت معه إلى الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور. هناك، شعرت للمرة الأولى منذ فترة طويلة بأن حياتها بدأت تستقر.
كان زوجها يعمل في تجارة البضائع بين السودان وتشاد، مستفيداً من العلاقات الاجتماعية والتجارية القديمة التي تربط عائلات الزغاوة على جانبي الحدود. ازدهرت التجارة، وتمكنت الأسرة من شراء سيارات وتوسيع أعمالها، وأنجبت سميرة خمسة أطفال.
أصبحت الجنينة بيتها. ظلت ذكريات النزوح والخوف حاضرة، لكنها لم تعد تتحكم في تفاصيل حياتها اليومية. بدا أن بإمكانها أخيراً أن تبني مستقبلاً لأطفالها.

ثم جاءت حرب أبريل 2023
اندلع القتال بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، وسرعان ما امتد إلى مناطق واسعة من البلاد.
وفي غرب دارفور، تحولت التوترات القديمة إلى موجة جديدة من العنف. ومع تصاعد القتال، أصبحت الجنينة مرة أخرى مدينة يطاردها الخوف.
في أحد أكثر الأيام قسوة في حياتها، وصل مسلحون إلى منزل سميرة. كان ذلك في اليوم الذي اختُطف فيه والي غرب دارفور خميس أبكر وقُتل. جاء المسلحون، بحسب روايتها، للاستيلاء على سيارات زوجها وأمواله وممتلكاته.
رفض زوجها التخلي عما بناه خلال سنوات طويلة من العمل.
تقول سميرة إنهم قتلوه أمام عينيها، وقتلوا ابنتيها في اليوم نفسه.
في ساعات قليلة، انهار كل شيء بنته الأسرة خلال أكثر من عقدين. فقدت زوجها وابنتين، وتحولت ممتلكاتها إلى ذكرى، وعادت سميرة إلى نقطة الصفر.
ولم تتوقف معاناتها عند ذلك.
بعد وفاة زوجها، أراد بعض الأقارب، وفق تقليد تتبعه بعض الأسر، أن تتزوج من شقيق زوجها الأصغر. لكنها رفضت، وقالت إنها لم تستطع الارتباط برجل أصغر منها سناً بعد كل ما حدث.
كان عليها أن تهرب مرة أخرى.
جمعت أطفالها الثلاثة الذين نجوا من المأساة، وغادرت الجنينة متجهة إلى نيالا في جنوب غرب السودان، حيث وافق أقاربهم على استضافتهم.
لكن الحرب سبقتهم إلى هناك أيضاً
بدأت قذائف المدفعية تسقط على المناطق السكنية، وأصابت إحداها المنزل الذي كانت تقيم فيه سميرة. قتل الانفجار شخصين على الفور، بينما أصيبت سميرة إصابة بالغة. مزقت الشظايا ذراعها اليمنى وأصابت عينها.
تلقت العلاج، وتمكنت من النجاة، لكنها خرجت من المستشفى بجسد يحمل آثار حرب لم تخترها.
اليوم، تظهر آثار تلك الإصابة بوضوح في سوق مخيم كورسي. تحاول سميرة تغطية عينها وذراعها، لكنها لا تستطيع إخفاء ما فعلته الحرب بحياتها.
ومن مكان لجوئها الجديد، تتابع أخبار دارفور التي تبعد مئات الأميال.
خلال حصار الفاشر، كانت سميرة تشعر بأن مصير المدينة يمسها بصورة شخصية. فقد كان عدد من المقاتلين المدافعين عنها ينتمون إلى جماعات مسلحة مرتبطة بمجتمعها الزغاوة، ما جعلها ترى في المدينة امتداداً لمكان انتمائها.
ومع اشتداد القتال، فر بعض أقاربها من الفاشر، بينما قُتل آخرون في أعمال عنف ومجزرة للمدنيين في أكتوبر 2025، بعد سقوط المدينة في أيدي قوات الدعم السريع. وتوزع الناجون في تشاد ودول أخرى، كما تفرقت الأسرة التي كانت قد تشتت مرات عدة من قبل.
كل مكالمة هاتفية كانت تحمل خبراً جديداً عن فقدان قريب أو مغادرة مكان مألوف.
تقول سميرة: "لم يبقَ لنا مكان".
وقبل نحو شهر، غادر ابنها الأكبر مخيم كورسي وسلك طريق الهجرة الخطير باتجاه المغرب، برفقة مجموعة من الشباب السودانيين، أملاً في الوصول إلى أوروبا والعثور على فرصة للعمل. ومنذ مغادرته، لم تسمع عنه شيئاً.
في سوق المخيم، تستمر الحياة رغم كل شيء.
مع ارتفاع حرارة الظهيرة، تجمع سميرة ما تبقى من الأرز والتوابل التي لم تبعها، وتطوي صينية الألمنيوم وتحملها معها. لا يزال أمامها طفلان يحتاجان إلى الطعام والرعاية.
واحداً تلو الآخر، يبدأ التجار في إغلاق أكشاكهم. تختفي البضائع من فوق الطاولات، ويعود الأطفال إلى الملاجئ، بينما تتجه العائلات إلى أكواخها المصنوعة من القش والأغصان والأغطية البلاستيكية.
لكن هذه الملاجئ، مثلها مثل حياة أصحابها، لا تبدو مهيأة للاستمرار طويلاً.
تفكر سميرة الآن في مغادرة كورسي والذهاب إلى الكاميرون. أخبرها لاجئون آخرون أن الظروف هناك قد تكون أفضل، لكنها تعرف، أكثر من غيرها، أن الأمان الذي تبحث عنه قد يكون مؤقتاً.
لكن عندما سُئلت عن المكان الذي ترغب في العيش فيه، لم تتردد. قالت: "أحب كل ركن من أركان دارفور. أحلم بالعيش هناك، لكن لا أستطيع. لقد سلبت الحرب كل شيء مني. سلبت عيني، وذراعي، وأمي، وأولادي، وزوجي".
لكنها تقول: "حتى لو عاد السلام، سأعود بعين واحدة وذراع واحدة".
نقلاً عن الغارديان



التعليقات (0)
جاري التحميل...