ترجمة وإعداد: نادرة المهدي

حين تشتد عليه حملات التنمر الإلكتروني بسبب كونه رئيس بلدية في أستراليا، وشابًا مسلمًا من أصول أفريقية، يستحضر محمد سمرا درسًا تعلمه وهو طفل على ظهر حمار في السودان.

كان محمد في العاشرة من عمره عندما عاد للمرة الأولى إلى السودان، البلد الذي غادرته والدته مع أطفالها الستة لاجئة إلى أستراليا، وهو في الثالثة من عمره.

وفي إحدى القرى، احتاجت الأسرة إلى جلب المياه، فأركبه عمه حمارًا محملًا بالبراميل، وأرسله بمفرده إلى بئر تبعد نحو ساعتين، موصيًا إياه بألا ينزل عن ظهر الحمار حتى يعود بالماء سالمًا، لأن نزوله قد يفزع الحيوان ويتسبب في سكب الحمولة.

وعند اقترابه من المنزل، اتجه الحمار نحو شجرة كثيفة الأغصان ومليئة بالأشواك، بحيث لم يكن المرور من تحتها ممكنًا دون التعرض للإصابة.

يقول محمد، البالغ من العمر 27 عامًا، في برنامج «Australian Story»: «وجدت نفسي أمام خيارين؛ إما أن أنزل وأحمي نفسي، مع احتمال فقدان الماء، أو أتشبث بالحمار وأتحمل ما سيحدث. اخترت المرور عبر الشجرة، وأصبت بخدوش كثيرة في وجهي، لكن الماء وصل إلى المنزل».

ويضيف: «علّمتني تلك التجربة أن خدمة الآخرين قد تتطلب أحيانًا تقديم تضحيات. كانت الخدوش مؤلمة، لكن أسرتي حصلت على الماء».

مواجهة العنصرية

لم يكن وصول محمد إلى رئاسة بلدية ماريبيرنونغ، الواقعة غرب مدينة ملبورن، نهاية التحديات، بل بداية مرحلة جديدة من الانتقادات والهجمات عبر الإنترنت.

ويقول إنه تعرض، منذ توليه المنصب، لسيل من التعليقات المسيئة، لكنه اعتاد مواجهة العنصرية منذ سنوات طويلة.

وكانت حادثة تعرض لها في أحد متاجر «آبل» عندما كان في الخامسة عشرة من عمره سببًا في تسليط الأضواء عليه عالميًا، وأسهمت لاحقًا في إحداث تغييرات داخل الشركة.

ويرى محمد أن تحمل الإساءات مقابل خدمة المجتمع الذي احتضنه ومنحه الفرصة للنجاح أمر يستحق العناء.

ويقول: «هناك من لا يشعر بالارتياح لرؤية رجل أسود ومسلم يشغل هذا المنصب، لكن من واجبي أن أجعلهم أكثر تقبلًا لهذا الواقع».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل وسيلة مهمة للتواصل مع سكان المدينة، مضيفًا: «بصفتي رئيسًا للبلدية، فإن مسؤوليتي هي تمثيل المجتمع بأكمله. لقد عشت هنا أكثر من عشرين عامًا، ولم أكن لأترشح لولا إيماني بقدرتي على تقديم قيمة حقيقية لهذا المجتمع».

ويُعد محمد أول شخص من أفريقيا جنوب الصحراء يُنتخب رئيسًا لبلدية في أستراليا، حيث يمثل مجتمعًا يضم سكانًا ينحدرون من أكثر من 80 دولة.

ويقول: «من الصعب أن تكون أول من يحقق إنجازًا من هذا النوع، لكن إذا كانت والدتي قد تمكنت من مغادرة السودان والبدء من جديد في بلد لا تعرف عنه شيئًا، فبإمكاني أنا أيضًا أن أخوض تجربة العمل العام».

fdb5e0f6-f5c0-49dd-8a95-e3da4b4831c2.jpg

القيادة بدأت مبكرًا

يقول أفراد أسرته إن محمد أظهر اهتمامًا بالقيادة منذ سنواته الأولى.

وتستذكر شقيقته الكبرى إنجي شغفه بالدراسة، قائلة إنه كان يفضل متابعة نشرات الأخبار والأفلام الوثائقية التاريخية، بينما كان أشقاؤه يفضلون الرسوم المتحركة، الأمر الذي كان يثير خلافات يومية بينهم حول جهاز التحكم في التلفاز.

وتعود جذور العائلة إلى شرق السودان، حيث كان والده شيخًا قبليًا، قبل أن تعتقله السلطات السودانية عام 2002 دون توجيه اتهامات رسمية إليه، في إطار حملة استهدفت احتواء الاضطرابات بين بعض المجموعات المحلية.

وأدى اعتقاله إلى فرار والدة محمد، سميرة، مع أطفالها إلى أستراليا لاجئين، بينما بقي والده في السودان بعد إطلاق سراحه.

من التأتأة إلى المنصة

يقول محمد إنه كان يحلم دائمًا بأن يكون صاحب رأي مؤثر، لكن التأتأة الشديدة التي عانى منها في طفولته كانت تحول بينه وبين ذلك.

ويضيف: «كانت التأتأة تمنعني من التعبير عن نفسي، وأشعرتني بالإحباط، حتى أصبحت في بدايات مراهقتي مشاغبًا بعض الشيء».

غير أن معلمة اللغة الإنجليزية ومنسقة رفاه الطلاب في كلية ماريبيرنونغ، ليا وايت، رأت في كتاباته قدرات كبيرة، ورشحته للالتحاق ببرنامج مكثف لعلاج النطق في جامعة لا تروب.

ويقول محمد إنه اغتنم تلك الفرصة بكل جدية، مضيفًا: «ذلك البرنامج أعاد إليّ صوتي، ومن هناك بدأت رحلتي الحقيقية نحو القيادة».

وفي الصف الحادي عشر أخبر أحد زملائه بأنه يعتزم الترشح لمنصب قائد المدرسة، لكن زميله سخر منه قائلاً: «هذا المنصب للبيض».

ويستذكر محمد تلك الحادثة قائلاً: «تأثرت كثيرًا بذلك التعليق، وتساءلت: منذ متى أصبحت القيادة حكرًا على البيض؟».

ورغم ذلك، خاض الانتخابات وفاز بالمنصب، في أول انتصار شخصي له على الصور النمطية والعنصرية.

حادثة متجر «آبل» التي غيّرت مسار حياته

يعتقد محمد أن كثيرين بدأوا ينظرون إليه بوصفه قائدًا منذ الحادثة التي تعرض لها في الخامسة عشرة من عمره داخل أحد متاجر «آبل» في ملبورن.

فقد دخل المتجر برفقة خمسة من أصدقائه الأفارقة لتجربة أحدث هواتف «آيفون»، لكنهم فوجئوا برجال الأمن يراقبونهم منذ اللحظة الأولى.

ويقول إن التعرض لمواقف من هذا النوع لم يكن جديدًا عليه، إلا أن ما حدث تلك المرة دفعهم إلى مغادرة المتجر، قبل أن تخطر له فكرة العودة وتوثيق ما يجري.

ويضيف: «قلت لنفسي: إذا تجاهلنا ما حدث، فسيتكرر مع آخرين لم يرتكبوا أي خطأ».

370363c4-4df1-4fd6-9403-da5b767dcc8b.jpg

وعندما عادوا، أوقفهم أفراد الأمن ومدير المتجر، وأبلغوهم بأن عليهم المغادرة لأن الموظفين "يخشون أن يسرقوا شيئًا".

وثق الشبان الواقعة بهواتفهم المحمولة، قبل أن ينشر أحدهم الفيديو على الإنترنت، حيث انتشر على نطاق واسع، لتتحول القضية إلى مادة تناولتها وسائل إعلام دولية.

وفي أعقاب ذلك، قدم الرئيس التنفيذي لشركة «آبل»، تيم كوك، اعتذارًا رسميًا، وأعلنت الشركة إعادة تدريب موظفيها حول العالم على مبادئ الشمولية والتعامل مع العملاء.

ويقول محمد إن تلك التجربة أكدت له أهمية الدفاع عن الحقوق وعدم الصمت أمام التمييز، مضيفًا: «أدركت أن قصصنا تستحق أن تُروى، وأن أصواتنا يمكن أن تُحدث فرقًا».

من العمل المجتمعي إلى السياسة

لم يكن محمد يخطط لدخول العمل السياسي، لكن جائحة «كوفيد-19» غيّرت مسار حياته.

فبعد تخرجه من المدرسة الثانوية، التحق ببرنامج لدراسة التجارة والعلاقات الدولية، لكنه فضّل تكريس جهوده للعمل مع منظمات شبابية ومتعددة الثقافات.

وعندما فرضت سلطات ولاية فيكتوريا إغلاقًا صارمًا على أبراج الإسكان العام في فليمينغتون وشمال ملبورن عام 2020، سارع مع متطوعين آخرين إلى توفير المساعدات للسكان، الذين كان معظمهم من اللاجئين والمهاجرين.

ولاحظ أن كثيرًا من الوجبات التي كانت توزعها الجهات الرسمية لا تراعي الاحتياجات الدينية والثقافية للسكان، ما دفعه للمشاركة في تنظيم حملات لتوفير وجبات مناسبة.

ويقول: «أدركت وقتها أننا بحاجة إلى أشخاص يمثلون مجتمعاتهم داخل مواقع صنع القرار، وليس فقط إلى متطوعين يعملون خارجها».

الهزيمة الأولى

قاد نشاطه المجتمعي إلى ترشيحه لجائزة «شاب العام الأسترالي» في ولاية فيكتوريا لعام 2023.

وفي العام نفسه، قرر خوض انتخابات المجلس البلدي، إلا أن ظروف الجائحة حالت دون تنظيم التجمعات الانتخابية أو التواصل المباشر مع الناخبين، لتنتهي تجربته الأولى بالخسارة.

ويصف تلك الهزيمة بأنها كانت مؤلمة، لكنه يقول إنها علمته الصبر وعدم الاستسلام.

وأضاف: «ليس من السهل أن تضع نفسك أمام الناس ثم لا تحقق ما كنت تطمح إليه، لكن الفشل لا يعني نهاية الطريق».

العودة والفوز

بعد خسارته الانتخابات، اعتقد محمد أنه لن يعود إلى السياسة، وكرس جهوده لتأسيس مؤسسة Endeavour Youth Australia، وهي منظمة مجتمعية تُعنى بتمكين الشباب من خلفيات ثقافية متنوعة، وتنظم مؤتمرًا سنويًا للقيادة الشبابية.

لكن نقطة التحول جاءت عندما حضر خطابًا للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، الذي تحدث عن إخفاقه في أول تجربة انتخابية خاضها قبل أن يواصل طريقه نحو البيت الأبيض.

ويقول محمد إن تلك القصة أعادت إليه الثقة، وجعلته يدرك أن الإخفاق لا يلغي الهدف.

وفي عام 2024، قرر خوض الانتخابات مرة أخرى بصفته مرشحًا مستقلاً عن ماريبيرنونغ.

ورغم تعرض ملصقاته الانتخابية للتخريب، وظهور تعليقات عنصرية خلال الحملة، نجح في الوصول إلى الناخبين، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يحقق الفوز.

ويصف لحظة إعلان النتائج بأنها كانت من أكثر لحظات حياته تأثيرًا.

ويقول: «قفزت من شدة الفرح، لكن سرعان ما شعرت بثقل المسؤولية... عندها أدركت أن العمل الحقيقي قد بدأ».

اختبار القيادة

بعد توليه رئاسة البلدية، أصبح محمد حاضرًا في مختلف المناسبات المجتمعية، ويحرص على التواصل المباشر مع سكان المدينة بمختلف خلفياتهم.

ويؤكد أن وجوده في هذه الفعاليات يحمل رسالة مفادها أن البلدية قريبة من الجميع، وأنها تستمع إلى مختلف مكونات المجتمع.

لكن عمله لا يقتصر على المناسبات الاجتماعية، إذ يواجه ملفات معقدة، أبرزها مشروع إنشاء ملعب رياضي داخلي بقيمة 60 مليون دولار، يهدف إلى توفير مساحة للشباب لممارسة كرة السلة.

ويعارض بعض السكان المشروع لأنه سيقام على جزء من محمية طبيعية، إلا أن محمد يؤكد أن المنشأة لن تشغل سوى 3.3% من مساحة المحمية، وأنها ضرورية لتلبية احتياجات الشباب وتقليص قوائم الانتظار.

ويرى مقربون منه أن سنوات معاناته مع التأتأة، وتجربته مع العنصرية، والعمل المجتمعي، أكسبته صلابة وقدرة على التعامل مع الضغوط.

5e5801da-3556-4af3-980f-f3db14a327c2.jpg

طموحات أبعد من البلدية

بدأ محمد بالفعل يلفت الأنظار داخل الأوساط السياسية الأسترالية، كما حظي بإشادة عدد من المسؤولين في ولاية فيكتوريا.

ورغم تزايد الحديث عن إمكانية انتقاله إلى برلمان الولاية أو البرلمان الفيدرالي، فإنه لا يستعجل الخطوة، لكنه لا يستبعدها أيضًا.

ويؤكد أن وجود مزيد من الأستراليين من أصول أفريقية في مواقع صنع القرار من شأنه أن يغير الصورة النمطية السائدة، ويمنح الأجيال الجديدة نماذج ملهمة.

ويختتم حديثه قائلاً: «كلما زاد تمثيلنا في مواقع اتخاذ القرار، ازدادت قدرتنا على تغيير الصورة النمطية، وإبراز القصص الإيجابية التي تستحق أن تُروى».

وبينما يواصل عمله رئيسًا لبلدية ماريبيرنونغ، يعترف بأن فكرة الوصول يومًا ما إلى البرلمان الفيدرالي لا تزال تراوده، متسائلًا: «هل أستطيع تجاوز هذا السقف؟»

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...