خاص ــ صوت الأمة

عندما كان المهندس ويثر سيد كوكو محتجزًا في الخرطوم خلال سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من العاصمة، لم يكن يحلم بأكثر من يوم يخرج فيه حيًا من الأسر.

أكثر من عام قضاه معتقلًا، في سجون "الدعم السريع" لكنه كان يتمسك بخيط رفيع من الأمل، ورغم ظروف الاعتقال القاسية كانت الجهة التي تحتجزه تسمح له، بين حين وآخر، بإجراء اتصال قصير بأسرته. دقائق معدودة كانت كافية ليطمئن أهله بأنه ما يزال على قيد الحياة، ويمنحهم هم أيضًا سببًا لمواصلة الانتظار.

ومع انحسار المعارك عن الخرطوم، وهزيمة و تقهقر الدعم السريع وقبيل انسحابها من مواقعها، أُطلق سراحه، و ظن ويثر أن محنته انتهت.

غادر السودان إلى المملكة العربية السعودية بعد أن استخرج له أشقاؤه تأشيرة زيارة، محاولًا أن يلتقط أنفاسه بعيدًا عن الحرب التي سرقت منه عامًا كاملًا، لكن القصة لم تنته هناك.

نداء العودة

بعد تحسن الأوضاع الأمنية نسبيًا، وبدء عودة المؤسسات الحكومية والشركات إلى العمل، دعت شركة سوداتل موظفيها إلى العودة لمباشرة أعمالهم.

لم يتردد ويثر، رغم ما عاشه من اعتقال وخوف وتشرد، قرر أن يعود إلى السودان، وأن يستأنف عمله الذي قضى فيه أكثر من عشرين عامًا، مؤمنًا بأن عودة المؤسسات جزء من عودة الحياة إلى البلاد.

عاد لا يحمل سلاحًا، ولا مشروعًا سياسيًا، وإنما حقيبة سفر وخبرة مهندس اتصالات أفنى سنوات عمره في واحدة من أكبر شركات الاتصالات في السودان.

لكن ما إن وصل حتى اعتقلته الاستخبارات، في 21 يونيو 2025، وفقًا لما تؤكده أسرته، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد إلى منزله.

عام آخر... بلا محاكمة

تقول الأسرة إن ويثر أمضى أكثر من عام رهن الاحتجاز دون أن يُعرض على النيابة أو يُحال إلى القضاء.

وخلال تلك الفترة، لم تتمكن الأسرة من زيارته سوى مرة واحدة، بعد عام كامل من اعتقاله.

لم تستغرق الزيارة أكثر من اثنتي عشرة دقيقة.

اثنتا عشرة دقيقة فقط كانت كل ما حصلت عليه الأسرة بعد عام من الانتظار.

وتضيف الأسرة أن تلك الدقائق لم تكن كافية حتى للاطمئنان على حالته الصحية والنفسية، فضلًا عن معرفة وضعه القانوني.

كما تشير الأسرة في مناشدة وجهتها إلى مدير جهاز المخابرات العامة، إلى أن ويثر تعرض لضغوط للاستقالة من عمله أثناء فترة احتجازه، مطالبة بالتحقق من تلك المعلومات وضمان حقوقه القانونية.

من موظف إلى رقم في ملفات الحرب

لا تتحدث أسرة ويثر عن ناشط سياسي أو قائد عسكري، بل تتحدث عن مهندس اتصالات عمل في سوداتل لأكثر من عشرين عامًا، وتقول إنه عرف بين زملائه بالأمانة والكفاءة والالتزام المهني.

وتؤكد أن ابنها لم يُعرف عنه حمل السلاح أو الانخراط في أي نشاط يستهدف الدولة، وأنها لا تطلب معاملة استثنائية، وإنما تطبيق القانون، فإن كانت هناك اتهامات، فلتُعرض أمام القضاء.

وإن لم تكن هناك أسباب قانونية لاستمرار احتجازه، فليُطلق سراحه.

وجددت الأسرة مناشدتها للسلطات المختصة و على رأسها قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان ووزير الدفاع لإطلاق سراح أبنها المحتجز دون محاكمة أو تقديم محاكمة.

بين طرفين

تكاد قصة ويثر تختصر جانبًا من مأساة السودانيين خلال الحرب، اعتقله طرف أول لأكثر من عام، وبعد أن خرج من الأسر وغادر البلاد وعاد استجابة لنداء عمله، وجد نفسه معتقلًا لدى الطرف الآخر.

وبين الاعتقالين، ضاعت سنوات من عمر رجل كان يظن أن انتهاء أسره الأول يعني نهاية محنته.

لكن الحرب، كما يبدو في قصته، لم تكن معركة تدور خارج السجون فقط، بل امتدت إلى حياة أشخاص وجدوا أنفسهم عالقين بين طرفين، فيما ظلت أسرهم تنتظر اليوم الذي يعودون فيه إلى بيوتهم، لا أكثر.

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...