دارفور- صوت الأمة

في إحدى الوقائع التي تسرد المأساة التي لا تنتهي، عُثر على 33 سودانياً موتى في عمق الصحراء الواقعة بين مدينة مليط بشمال دارفور والدبة بالولاية الشمالية بعد أن تعطلت مركبتهم ونفد متاعهم.

بدأت الرحلة بشكل مبهج للغاية، كان ركاب سيارة «استايركس» يجددون بعض أحلامهم التي تحطمت بسبب الحرب، يبتسمون رغم لظى شمس الصحراء، حتى استقرت السيارة وسط الرمال الممتدة بلا نهاية.

حاول السائق جاهدًا فك شفرة العطل، بينما كانت كالثواني تمر الساعات، والخوف يدب في وجوه الركاب. بدأت قطرات الماء والغذاء في النفاد وصهرت حرارة الشمس أجساد المسافرين قبل أن يلتهمهم الموت البطيء واحدًا تلو الآخر.

ولم تكن هذه الحادثة بالجديدة، حيث يمضي السودانيون الذين يحاولون الهروب من الموت في رحلات طويلة بحثًا عن النجاة من حرب مدمرة دخلت عامها الرابع فيجدون الموت متربصًا بهم في الصحراء جوعًا أو عطشًا في إحدى أكثر السنوات قسوةً وبؤسًا وإهانةً في ذاكرة البلد الممزق.

الفرار من الحرب إلى الموت البطيء

منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، تحول السودان إلى بلد يفيض بأهله خارج حدوده، حيث عبر الملايين إلى دول الجوار خاصةً ليبيا التي أضحت وجهة مفضلة لأغلب سكان ولايات دارفور.

وتسببت الحرب المستمرة الآن بين الجيش وقوات الدعم السريع في أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم، إذ بلغ إجمالي عددهم قرابة 11.5 مليون شخص.

الهروب من الموت في السودان وإن تأخر قليلًا لم يكن نجاة في حد ذاته، لأن الظروف لم تكن رحيمة، ببساطة تأخر قليلًا.

كان ذلك في منتصف مايو الماضي، حيث عُثر مسافرون صدفة في منطقة قاحلة في صحراء الولاية الشمالية على 33 شخصًا مزق الجوع والعطش أجسادهم وأغلبهم أطفال ونساء لتُكتب فصول موتهم القاسي في صحراء قاحلة بلا قبر.

قصص معاناة في قلب الصحراء

قالت إحدى السيدات التي وصلت الشمالية قبل شهر "الصحراء مخيفة وقاحلة.. منذ اليوم الأول بدأت استخدام الماء بتقشف.. كثير من الأيام كنت أبقى بلا ماء وأعطي ما لدي لأطفالي".

وأضافت "أنصح الجميع بعدم السفر في الصيف.. هربنا من الموت في السودان.. لكن وجدنا الموت في الصحراء.. لا أحد يوارى جسدك الثرى".

إفادات أسر الضحايا

قال آدم أحد أقارب الضحايا إن الأسرة تلقت بلاغًا بالعثور على جثث شقيقته وأبنائها الخمسة وعدد من الركاب كانوا معهم.

وأوضح أن شقيقته وأبناءها تحركوا قبل العيد بأيام من طويلة بشمال دارفور إلى أم درمان حيث فقدنا الاتصال بهم.

وأضاف: "وجدنا أوراقهم الثبوتية من ضمن الجثث في الصحراء".

من جانبه، قال أحد أفراد أسرة المعلمة الراحلة شادية إدريس عليان إن الأسرة تلقت بلاغًا بالعثور على جثث ستة من أقاربهم بعد نحو شهرين ونيف من مغادرتهم مدينة نيالا.

وأوضح أن الراحلة كانت تسعى إلى استكمال المسيرة التعليمية لأبنائها بعد انقطاعهم عن الدراسة بسبب الحرب.

في الصحاري الكبرى الممتدة بين ليبيا وتشاد ومصر التي ابتلعت أرواحًا من الفارين من جحيم الحرب في السودان لا حصر لها، بقيت أيضًا شاهدة على أن خيط الأمل قد يمتد في أشد الظروف ظلمة، وأن بين الموت المتربص في "الكثبان الرملية" قصص نجاة لا تُفسر إلا بـ "المعجزة الإلهية".

إن النجاة في الصحراء الشاسعة ليست مجرد حظ عابر، بل أسباب خبأها القدر في اللحظات الأخيرة، إذ تحمل كل قصة تفاصيل تمزج بين القسوة والمعجزة الإلهية.

شهادات ناجين

"كُنا 10 شباب في سيارة دفع رباعي، تحركنا من مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور.. تعطلت سيارتنا في منطقة قاحلة.. بعد ثلاثة أيام مات ثلاثة منا.. كنا قد استسلمنا للموت" يقول أحد الناجين من قلب الصحراء.

ويضيف "بعد 4 أيام سمعنا صوت عربة قادمة باتجاهنا.. ابتهجنا وقرأ البعض منا آيات من القرآن الكريم.. جاؤوا لنا وقدموا لنا الماء والطعام.. وأعطونا إطارًا".

في حادثة أخرى وثقتها الأجهزة المحلية بمدينة الكفرة الليبية نجا أفراد ومجموعات بعد أن تقطعت بهم السبل لأكثر من أسبوع في عمق الصحاري.

يقول أحد الناجين وقتذاك "عندما تعطلت السيارة وابتعد المهرب، عرفنا أن المشي يعني الموت خلال ساعات. حفرنا حفرًا تحت هيكل السيارة المتهالك لنستظل بها من حرارة الشمس التي تتجاوز 45 درجة"

ويضيف "كنا نبلل ألسنتنا بقطرات ماء محتبسة في لديتر (مبرد) السيارة أو نمص أطراف أقمشة مبللة بما تبقى من السوائل. البقاء في مكان واحد واستغلال ظل السيارة هو ما جعل فرق الإسعاف ترصدنا من الجو وتصل إلينا ونحن على قيد الحياة."

حيل للبقاء على قيد الحياة

روى ناجون أساليب لمقاومة الهلاك؛ فمنهم من قام بإشعال الإطارات غير الصالحة ليلًا لإرسال إشارات دخانية ترشد الدوريات أو المسافرين لإغاثتهم. بينما استخدم البعض مرايا السيارات لإحداث ومضات ضوئية باتجاه الأفق عند سماع أصوات محركات بعيدة.

وتبقى كل هذه القصص تذكيرًا بأنه حتى في قلب أكثر البيئات قسوة على وجه الأرض، يمكن لإرادة الحياة والإنسان أن تصنع المعجزات.

اليوم، ومنذ اندلاع الحرب قبل أربعة سنوات يبقى السودانيون عالقين في دوامة مآسٍ مضاعفة؛ فما بين نار حرب قضت على الشجر والحجر، ومساعدات إنسانية معدومة، ونزوح واسع بسبب استمرار الحرب، تبقى وفياتهم في الصحاري شاهدًا صامتًا على الكلفة الإنسانية الباهظة للنزاعات.

وتبقى رحلة معاناتهم نزوحًا وتشردًا ولجوءًا وزر اختبار أخلاقي عسير لأولئك الذين أصلوا عود ثقاب الحرب، أو كانوا جزءًا من هذه المأساة.

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...