خاص ــ صوت الأمة
طُفت بين السوق الشعبي والسوق الكبير وصولاً إلى موقف الجنينة بحثاً عن "كاش" أشتري به قوت العيال، لكن لم أجد، واضطررت لأخذ عشرين ألف جنيه لتغطية تكاليف العودة بالمواصلات إلى البيت.
تسرد سيدة أربعينية لـ«صوت الأمة» تفاصيل رحلتها الشاقة بحثاً عن "الكاش".في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي شهدت أزمة سيولة خانقة سلبت المواطن العادي قوته.
وجسدت رحلتها عمق أزمة السيولة التي تطوق المواطنين، حيث أضحت رحلة البحث عن السيولة النقدية عودة بخُفَّي حنين، إلا لمن يملكون معارف توفر لهم "الكاش".
وتضيف السيدة بحسرة: "نحن البسطاء نعاني.. أصحاب المعارف والدعامة لا يجدون عناءً في الحصول على الكاش".
حظر تجارة السيولة
وتعود أسباب انعدام السيولة بالأسواق إلى قرارات اتخذتها السلطات الأمنية بمنع وتجريم تجارة «الكاش»، ما أدى إلى إغلاق المنافذ التي كانت توفر السيولة النقدية للمواطنين.
وهددت السلطات الأمنية أصحاب محلات توفير الكاش بالذهاب إلى سجن "دقريس"، وهو ما أدى إلى إغلاق تلك المنافذ وتجفيف الحركة المالية، ليصبح المواطن بين نار انعدام الكاش وغلاء الأسعار والعمولات المرتفعة، حيث بات التجار يفرضون عمولة تصل إلى 30% للتحويل أو التعامل بالكاش.
أسواق نيالا.. سلع بسعرين
كشفت جولة أجرتها صحيفة «صوت الأمة» في أسواق "موقف الجنينة" و"الشعبي" و"السوق الكبير"عن ظاهرة البيع بسعرين للسلع الغذائية، سعر نقدي، وسعر عبر التطبيقات المصرفية.
وقال تاجر مواد غذائية في السوق الشعبي جنوب المدينة إن ظاهرة البيع بسعرين ليس بسبب شح السيولة، بل بتدهور قيمة الجنيه أمام العملة التشادية "الفرنك".
وتعتمد أسواق نيالا على البضائع الواردة من دولة بالفرنك التشادي. وأكد عدد من التجار أن اعتماد السعرين بات خياراً ضرورياً لتفادي خسائر مالية تفرضها انخفاض سعر العملة المحلية.
"السمبرية" تساهم في تراجع البيع والشراء
وتواجه أسواق نيالا ضعفاً كبيراً في حركة البيع والشراء في ظل تراجع العملة المحلية والواقع المعيشي القاسي.
ويؤكد تجار أن هذا الجمود يأتي نتيجة التقاء شهري "السمبرية" أغسطس وسبتمبر، وهما من أصعب الشهور على الناس في دارفور، وتُعرف محلياً بـ"العِسرة"، حيث تنفد المخزونات الغذائية وتتجه الطاقات البشرية نحو العمل في الزراعة، لذلك تتراجع الحركة الشرائية.
حصر الشراء في الضروريات
يقول وليد، وهو اسم مستعار لتاجر مواد غذائية في السوق الشعبي جنوب المدينة، لـ«صوت الأمة» إن حركة البيع والشراء باتت محصورة في السلع الضرورية مثل "السكر - الزيت - الصابون - المستلزمات المدرسية".
وعزا وليد حالة الشلل التام وركود عمليات البيع والشراء إلى توجه أغلبية السكان والمواطنين نحو الزراعة.
ووصف وليد الوضع التجاري في أسواق نيالا بـ«المتقلب»، كاشفاً عن تحول في آلية البيع؛ حيث أصبحت السلعة الواحدة تُباع بسعر في الصباح وسعر آخر في المساء بسبب الهبوط المستمر للجنيه السوداني.
شكاوى من ارتفاع أسعار السلع
قالت المواطنة فاطمة لـ«صوت الأمة» إن ارتفاع الأسعار وشح السيولة جعلا المعيشة أكثر صعوبة، مشيرةً إلى أنها توقفت عن شراء الخبز الذي يحصل عليه المواطن مقابل ألف جنيه لثلاثة أرغفة.
ووصفت الوضع بـ"الصعب"، قائلة: "الحرباية أبت تقيف.. وزرعنا والواطة يابسة".
ويقول صاحب دكان إن حركة البيع ضعيفة للغاية وتكون معدومة، باستثناء صنف واحد، وهو «سجائر الشملان»، مشيراً إلى أن هذا الصنف يشهد إقبالاً واستهلاكاً كبيراً من المواطنين والعساكر رغم ارتفاع سعره.
"الكاش" يتصدر المشهد في خضم الأزمات
في خضم الأزمات المعيشية التي تعصف بسكان مدينة نيالا، مقر قيادة "الدعم السريع" وحكومة تحالف تأسيس، والمتمثلة في الارتفاع الحاد لأسعار السلع الأساسية وضعف الإقبال على الشراء، تبقى قضية أزمة "السيولة" من القضايا التي تتصدر الحياة اليومية.
وأدى استمرار انعدام النقد الورقي إلى تصاعد علامات الاستفهام والاحتجاجات حول جدوى فتح المؤسسات المصرفية في ظل عجزها عن تلبية احتياجات المواطنين.
انتقادات
قال مواطن فضل عدم ذكر اسمه لـ«صوت الأمة» إن حكومة تحالف تأسيس حاربت تجار الكاش، ولم توفر للمواطنين منافذ بديلة للحصول على السيولة النقدية، فما الجدوى من فتح بنك المستقبل؟
تواصلت صحيفة «صوت الأمة» مع أحد المسؤولين في الإدارة المدنية لاستجلاء الرؤية والسبل المطروحة لحل هذه القضية وتوفير النقد للمواطنين، إلا أنه لم يرد على أسئلة الصحفية.
وترصد الشواهد الميدانية أن قضية «الكاش» في مدينة نيالا تخطت حاجز الأزمة لتصبح مهدداً معيشياً يمس الأسر في صميم حياتها اليومية، في ظل صمت حكومة الدعم السريع الموازية وعدم اتخاذها أي خطوات عملية لإيجاد حلول لأزمة «الكاش» التي تطحن المواطنين.



التعليقات (0)
جاري التحميل...