لا إحصائيات رسمية للعدد الحقيقي لنازحي ولاية الخرطوم المستقرين داخل مدينة نيالا
جنوب دارفور ضمن الولايات الأعلى استضافة للنازحين في السودان
يعيش النازحون في مدينة نيالا أوضاعًا إنسانية مأساوية
متطوع: إن المطابخ الجماعية (التكايا) تواجه تحديات مستمرة
برصد حالات سوء التغذية بين الأطفال وكبار السن
نيالا- صوت الأمة
بقايا أقمشة شُدت بالبلاستيك والحبال لتصنع (راكوبة)، وأشعة الشمس تتسلل بين ثنايا الثُقوب خلسة، فوق أرضٍ ترابية ساخنة، بينما يلهو أطفالٌ حفاة أمام المدرسة يعيدون رسم حيواتهم المسلوبة بفعل الحرب في مشهدٍ يُصور حياة النازحين الذين فروا إلى مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور.
في وسط مدينة نيالا لا تبدو حياة نازحي ولاية الخرطوم مستقرة من ناحية المعيشة، والعلاج، والخدمات؛ بل تحمل في طياتها قصصًا إنسانية ومآسي تجسَّدَ فيها "الصبر" بمعناه الحرفي.
داخل إحدى تلك الرواكيب المؤقتة، تجلس إنعام "اسم مستعار" وهي تعاني من "الكحّة" ولا تفصل بينها والمستشفى التعليمي سواء حائط تقول لـ"الحرب لعينة... الحرب أخذت مني زوجي وطفلي... جيراني الذين عشت بينهم في الخرطوم قرابة 20 عامًا بلَّغوا فينا بسبب قبيلتي... خرجت من الخرطوم قبل عامين قاصدةً نيالا".
نزحت إنعام من حي الصالحة جنوب العاصمة السودانية الخرطوم بعدما قُتل ابن خالتها وأولادها بواسطة كتائب البراء بن مالك الإسلامية -وفق ما قالت-.
وتُضيف "لم أكن أتخيل يومًا ما، أن أترك منزلنا في الصالحة لأعيش في مأوى لا يشبه منزلنا الذي غادرناه، ولا يمنح أطفالي الذين توفي والدهم في الخرطوم الأمان".
جنوب دافور... أعلى الولايات استضافة للنازحين
على الرغم من أنه لا توجد إحصائيات رسمية تحدد العدد الحقيقي لنازحي ولاية الخرطوم المستقرين داخل مدينة نيالا بشكل منفصل، إلا أن ولاية جنوب دارفور تُصّنف واحدة من أعلى الولايات إجمالاً استضافةً للنازحين -بحسب الأمم المتحدة-.
وتُعد مدينة نيالا من أكبر المراكز الحضرية في إقليم دارفور، لكنها تواجه ضغوطًا متزايدة على الخدمات الأساسية نتيجة تدفق النازحين، خصوصًا في قطاعات المياه والصحة والغذاء، مع تحويل مدارس ومبانٍ عامة إلى مراكز إيواء مؤقتة.
وبحسب تقديرات أممية، تُصنّف ولاية جنوب دارفور ضمن الولايات الأعلى استضافة للنازحين في السودان، في وقت لا تتوفر فيه بيانات دقيقة حول أعداد النازحين داخل مدينة نيالا بسبب استمرار حركة النزوح وتغيُّرها بشكل متسارع.
وتعاني المدينة، التي كانت تواجه أصلًا تحديات خدمية قبل الحرب، من أزمة متفاقمة في المياه والبنية التحتية الصحية، ما زاد من صعوبة تلبية احتياجات السكان والنازحين على حدٍّ سواء.
وتشير تقارير منظمات إنسانية إلى تدهور الوضع الصحي داخل مراكز الإيواء، مع تسجيل حالات متزايدة من سوء التغذية بين الأطفال وكبار السن، في ظلِّ نقص الإمدادات الغذائية وضعف الدعم الإغاثي.
وتحذر منظمات دولية من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة مع ارتفاع أعداد النازحين وتراجع القدرة على الاستجابة للاحتياجات الأساسية.

ظروف قاسية
يعيش النازحون في مدينة نيالا أوضاعًا إنسانية مأساوية، حيث يواجهون نقصًا حادًا في الغذاء، وظروفًا صحية بالغة السوء نتيجة شح المساعدات وتوقف المطابخ الجماعية "التكايا".
ويتوزع النازحون داخل عدة مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، ومن أبرزها مدرسة نيالا الثانوية بنين، ومدرسة مهيرة الثانوية، ومجمع مدارس آدم دفع الله "الكنغو"، ومركز السفينة.
وتعتبر مدرسة نيالا الثانوية بين أكبر مراكز الإيواء في المدينة التي استقبلت الفارين من مدينة الفاشر بشكل رئيسي، وسبق أن تعرّضت لقصف جوي بطائرة تابعة للجيش السوداني في 17 ديسمبر 2024م، أسفر عن سقوط شخصين إلى تسعة أشخاص قتلى، وإصابة نازحين بجروح -بحسب تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)-، بينما يرفض الجيش الاتهامات بقصف المباني المدنية.
يقول محمد "نجوت من الحرب في الفاشر، لكن فقدت ابنتي قبل أشهر بعدما تمكن منها المرض اللعين الكوليرا في مدرسة نيالا الثانوية".
وأوضح أن "مركز الإيواء ضيق للغاية، ومكتظ، وغير مريح وهو السبب الرئيسي لتفشي الكوليرا وقتذاك".
تشكو بثينة القادمة من مدينة بابنوسة والمقيمة بمركز إيواء مدارس آدم دفع الله، من شحِّ المياه، والغذاء، وغياب الرعاية الصحية.
وتقول إنها نزحت برفقة ولدها من مدينة بابنوسة إلى أن وصلت مدينة نيالا واستقرت في منزل أحد أقارب زوجها، قبل أن ترحل إلى مركز الإيواء.
وتُضيف "مع ارتفاع درجات الحرارة نعاني بشدة للحصول على الماء".
وقبل الحرب، تعاني مدينة نيالا من أزمة مياه حادة ومستمرة تفاقمت بشكل كبير خلال الحرب. في وقت تسعى فيه هيئة مياه الولاية التابعة لحكومة تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) لرفع نسبة الإمداد من (40%) إلى (70%)، إلا أن المدينة لا تزال تواجه تحديات مستمرة في التشغيل.
ظهور أمراض وسوء تغذية وسط الأطفال
في غرفة ضيقة داخل مركز إيواء يرقد محسن (68) عامًا على بساط ويتوسد سترة. نزح محسن قبل عامين، ثم تدهورت حالته الصحية بفعل ارتفاع الضغط والسكري، قبل أن يصاب بشلل أفقده القدرة على الحركة.
تتحدث زوجته وتقول ما يوجع حقًا في هذه الحياة هو "النزوح والمرض والعجز عن الوصول إلى الدواء"، وتضيف "يحتاج إلى علاج ومتابعة... ولا يوجد هنا أيّ شيء... نحن نعاني من صعوبة في الحصول على الطعام والماء".
قال متطوع لـ"صوت الأمة"، إن المطابخ الجماعية (التكايا) تواجه تحديات مستمرة نتيجة غياب التمويل المستدام والدعم المالي من الجهات الإنسانية.
وأوضح أن المطابخ تخدم حوالي ستة آلاف نازح داخل مراكز الإيواء أغلبهم أطفال ونساء وكبار سن، مشيرًا إلى أنهم يضطرون أحيانًا إلى تلقيص الوجبات لإطعام الأطفال والمرضى.
ويقوم متطوعون من شباب المدينة بتوزيع وجبات الغذاء التي تعدُّ في مطابخ في الأحياء لمساعدة الفارين من الحرب.
تقول سناء النازحة من مدينة الفاشر والتي تعيش في مركز إيواء مع أفراد أسرتها الثلاثة "الأوضاع أرحم من ذي قبل... منذ أن أتينا من الفاشر استقبلونا ومنحونا الأغطية، والملابس".
وتضيف "أحيانًا نعاني من شُحٍّ في الماء... لكن بالنسبة لي الحياة هنا أفضل مليون مرة من التي عشناها في الفاشر".

سوء تغذية بين الأطفال
أبلغ متطوع برصد حالات سوء التغذية بين الأطفال وكبار السن في مركزيْ إيواء للنازحين في مدينة نيالا، دون الإشارة إلى اسم المركزيْن.
وعزا المتطوع -الذي فضّل عدم ذكر اسمه- حالات سوء التغذية إلى غياب الدعم الغذائي الضروري، بجانب نقص المعدات الطبية.
وأضاف "سجلت المرافق الصحية لدينا معدلات مقلقة من الهزال الحاد، حيث يعاني الأطفال من فقدان كبير في الوزن وضعف المناعة، مما يجعلهم عرضة للوفاة بسبب الالتهابات البسيطة ونقص الفيتامينات والمعادن وأمراض مترافقة تم تسجيلها مثل الإسهال المتكرر وأمراض الجهاز التنفسي، التي تتفاقم بسبب الضعف العام الناتج عن نقص التغذية".
وتقول منظمة أطباء بلا حدود إن ما بين (17%) إلى (26%) من الأطفال الذين خضعوا للفحص في منشأة طبية تديرها في مدينة نيالا يعانون من سوء التغذية الحاد.
وتُضيف وقتذاك -في بيان- إن العديد من الأطفال في خطر لعدم وجود مركز تغذية علاجية يعمل بكامل طاقته بالمنطقة.
وحذرت المنظمة من تفاقم الوضع في موسم الجفاف.



التعليقات (0)
جاري التحميل...