السودان يشهد أسوأ انهيار في قيمة العملة الوطنية منذ اندلاع الحرب
الودائع الخارجية قد توفر استقرارًا مؤقتًا لسعر الصرف، لكنها ليست علاجًا للأزمة الاقتصادية
وقف الحرب واستعادة تحويلات المغتربين وإحياء الإنتاج تمثل المدخل الحقيقي لتعافي الجنيه السوداني
إطلاق برنامج وطني لإعادة إعمار السودان واستقطاب المنح والشراكات التنموية ضرورة لا تحتمل التأجيل
إصلاح البنية التحتية وإعادة تشغيل الزراعة والصناعة واستعادة الثقة في القطاع المصرفي ركائز الاستقرار الاقتصادي
حوار- ناهد محمد
قدّم مساعد رئيس حزب الأمة القومي والخبير الاقتصادي، الدكتور عبد الحليم عيسى تيمان، قراءة لأسباب التراجع الحاد في قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، مرجعًا ذلك إلى الانخفاض الكبير في إيرادات الدولة من النقد الأجنبي، بالتزامن مع تصاعد الطلب على الدولار لتغطية احتياجات الاستيراد.
وأوضح تيمان، في حوار أجرته معه صحيفة "صوت الأمة"، أن السودان يشهد منذ اندلاع الحرب في 15 إبريل 2023م، أسوأ موجة تراجع في تاريخه، إذ قفز سعر صرف الدولار في السوق الموازية من نحو (560) جنيهًا عند بداية الحرب إلى نحو (5600) جنيه في يونيو 2026م، في تراجع يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.
وأكد أن التعافي الحقيقي للجنيه السوداني لا يمكن أن يتحقق عبر الاعتماد على الودائع الخارجية، بل يبدأ بوقف الحرب واستعادة الاستقرار، بما يتيح عودة تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، التي تحولت في معظمها إلى دول اللجوء منذ اندلاع النزاع.
واعتبر أن استعادة الأمن وسيادة حكم القانون، إلى جانب مكافحة الفساد، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتشجيع عودة رؤوس الأموال والكفاءات التي غادرت السودان خلال الحرب، تمثل الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء الثقة في الاقتصاد الوطني.
ويتناول الحوار كذلك عددًا من الملفات الاقتصادية، من بينها مستقبل سعر الصرف، والتحديات المالية العامة، وفرص التعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
حوار- ناهد محمد
تمر العملة السودانية خلال هذه الفترة بأسوأ مراحلها، وتعاني انهيارًا شبه كامل... برأيك، ما الأسباب الرئيسة لهذا التراجع، وما الإجراءات العاجلة المطلوبة، وما الخطط قصيرة وطويلة المدى التي ينبغي تبنيها لمنع تكرار هذا الانهيار؟
منذ اندلاع الحرب في 15 إبريل (نيسان) 2023م، دخل الجنيه السوداني في أسوأ موجة تراجع في تاريخه، إذ ارتفع سعر صرف الدولار في السوق الموازية من نحو (560) جنيهًا عند بداية الحرب إلى قرابة (5600) جنيه في يونيو (حزيران) 2026م، في مؤشر يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد.
ويرجع هذا الانهيار إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها التراجع الحاد في الإنتاج الزراعي والصناعي، نتيجة الدمار الذي لحق بالمصانع، وتوقف عدد كبير من المنشآت الإنتاجية، وخروج المستثمرين، وتعطل طرق النقل والصادرات، فضلًا عن انقسام النشاط الاقتصادي بين مناطق سيطرة القوات المسلحة ومناطق سيطرة قوات تأسيس، الأمر الذي أضعف قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير.
أدى هذا الواقع إلى تراجع حاد في إيرادات الدولة من العملات الأجنبية، في وقت ظل فيه الطلب على الدولار مرتفعًا لتغطية احتياجات الاستيراد، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي.
ويُعد الارتفاع المتواصل في سعر الدولار، أحد أبرز العوامل التي أسهمت في انخفاض قيمة الجنيه السوداني، إذ انعكس مباشرة على كُلفة الواردات، وأدى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وهو ما غذّى موجة التضخم وأضعف القوة الشرائية للمواطنين، لتدخل العملة الوطنية في حلقة مفرغة من التراجع المستمر.
هل تمثل الودائع الخارجية حلًّا جذريًا لأزمة الجنيه السوداني، أم أنها مجرد مسكنات يزول أثرها بمرور الوقت؟
قد تسهم الودائع الخارجية في تحقيق قدر من الاستقرار لسعر الصرف على المدى القصير، عبر تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي وتوفير سيولة دولارية تساعد في تهدئة سوق الصرف. لكنها -في تقديري- لا تمثل حلًّا جذريًا لأزمة الجنيه السوداني، لأن الأزمة في جوهرها هيكلية وترتبط بتراجع الإنتاج والصادرات واستمرار الحرب، وهي عوامل لا تعالجها الودائع وحدها.
فإذا استمرت الحرب وبقيت القطاعات الإنتاجية معطلة، وظلت الصادرات عند مستوياتها المتدنية، فإن الضغوط على سوق النقد الأجنبي ستتجدد، وسيعود الجنيه إلى التراجع أمام الدولار بمجرد استنفاد أثر تلك الودائع.
وتؤكد التجارب الدولية أن نجاح الودائع الخارجية يرتبط بكيفية توظيفها. فعندما واجهت المكسيك أزمة انهيار عملتها (البيزو)، استعانت بالدعم الخارجي، لكنها لم تكتفِ بضخ السيولة في السوق، بل اقترن ذلك بحزمة إصلاحات اقتصادية شاملة، ودعم للإنتاج، وتعزيز الثقة في الاقتصاد، وهو ما أسهم في تحقيق استقرار مستدام.
أما في الحالة السودانية، فإن العلاج الحقيقي لا يكمن في الاعتماد على الودائع الخارجية، وإنما في معالجة الأسباب الأساسية للأزمة، وفي مقدمتها وقف الحرب، واستعادة تحويلات السودانيين العاملين بالخارج التي تتجه حاليًا إلى دول اللجوء بدلًا من القنوات الرسمية، وإعادة فتح طرق التجارة الداخلية بما يضمن انسياب الصادرات، وتنشيط الأسواق، وإعادة تأهيل المصانع والقطاعات الإنتاجية لتقليل الاعتماد على الواردات، وزيادة حصيلة البلاد من العملات الأجنبية... وعندها فقط يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام في قيمة الجنيه السوداني.

ما المطلوبات الأساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في السودان في المرحلة الحالية؟
يتطلب تحقيق الاستقرار الاقتصادي في السودان، تبني برنامج إصلاح اقتصادي متكامل، يرتب الأولويات وفق متطلبات المرحلة، ويعالج جذور الأزمة بدلًا من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
وتتمثل الأولوية الأولى في وقف الحرب والتوصل إلى حلٍّ سياسي شامل يفضي إلى تشكيل حكومة بقيادة مدنية تتمتع بالشرعية والكفاءة، بما يمكِّن السودان من استعادة علاقاته مع المؤسسات المالية الدولية والاستفادة من المنح والقروض الميسرة لتمويل إعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها الحرب.
أما الأولوية الثانية، فتتمثل في إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة، والعمل على زيادة الصادرات باعتبارها المصدر الرئيس للنقد الأجنبي، بما يسهم في تحسين ميزان المدفوعات واستقرار سعر الصرف.
وثالثاً، لا بدَّ من إصلاح القطاع المالي والمصرفي من خلال إعادة تأهيل البنوك التي تعرضت للنهب والتدمير، وتعزيز الرقابة المصرفية، واستعادة ثقة المواطنين في الجهاز المصرفي، بما يشجع على عودة المدخرات إلى القنوات الرسمية.
كما يمثل التصدي للفساد والتهريب أولوية أساسية، إلى جانب تهيئة بيئة استثمارية جاذبة تشجع على عودة رؤوس الأموال الوطنية التي غادرت البلاد خلال سنوات الحرب، واستقطاب استثمارات جديدة تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد.
وأخيراً، يتطلب تحقيق الاستقرار الاقتصادي استعادة الخريطة الإنتاجية للبلاد عبر تمكين المنتجين والمزارعين من العودة إلى مناطقهم بعد النزوح واللجوء، وتوفير برامج تمويل وحوافز إنتاجية معقولة، بما يعيد النشاط الاقتصادي إلى مختلف المناطق، ويعزز الأمن الغذائي، ويرفع معدلات النمو والإنتاج.
الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من إبريل وتجاوزت الثلاث سنوات مخلَّفة وراها خسائر فادحة... برأيك ما هي أكثر القطاعات المتضررة تأثيرًا على الاقتصاد الوطني؟
في تقديري، لم ينجُ أي قطاع اقتصادي من تداعيات الحرب، لكن حجم الضرر تفاوت بين القطاعات، ويمكن ترتيب الأكثر تأثرًا وفقًا لانعكاسه المباشر على الاقتصاد الوطني.
في المرتبة الأولى يأتي القطاع التجاري، إذ تعرّضت الأسواق الرئيسة لعمليات نهب وحرق واسعة، ما أدى إلى فقدان التجار مخزوناتهم ورؤوس أموالهم، فضلًا عن تدمير سلاسل الإمداد ونهب الشاحنات والبضائع، وهو ما أصاب النشاط التجاري بالشلل في مناطق واسعة من البلاد.
يأتي في المرتبة الثانية، فقدان المواطنين لمدخراتهم وممتلكاتهم، سواء نتيجة نهب المنازل أو فقدان الأموال والمقتنيات المحفوظة في خزائن الأمانات بالبنوك. وفي كثير من الحالات كانت تلك المدّخرات حصيلة عمل وتراكمات امتدت لأكثر من ثلاثة أجيال، الأمر الذي ستكون له آثار بعيدة المدى على معدلات الاستهلاك والادخار والاستثمار، وبالتالي على وتيرة التعافي الاقتصادي.
أما القطاع الصناعي والإنتاجي، فقد تعرّض هو الآخر لخسائر كبيرة نتيجة تدمير المصانع وورش الإنتاج، ونهب المعدات والآليات الزراعية، مثل الجرارات والحاصدات، إلى جانب الشاحنات ووسائل النقل، وهو ما أدى إلى تراجع الطاقة الإنتاجية في الزراعة والصناعة معًا.
كما تعرّضت البنية التحتية لأضرار جسيمة، ولا سيما قطاع الكهرباء، الذي شهد تدمير عدد كبير من المحولات وسرقة الكوابل وشبكات التوصيل، ما جعل إعادة تأهيله تتطلب استثمارات ضخمة وإمكانات مالية كبيرة، باعتباره أحد أهم مقومات استئناف النشاط الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي برنامج للتعافي الاقتصادي يجب أن يركز على إعادة بناء القاعدة الإنتاجية، عبر تمكين المنتجين من استعادة أدوات الإنتاج، ودعم القطاع الصناعي، وإعادة تأهيل الأسواق والبنية التحتية، بما يسهم في استئناف النشاط التجاري، وخلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج والإيرادات، وهي الأسس التي يقوم عليها أي تعافٍ اقتصادي مستدام.
ما الطريق نحو التعافي الاقتصادي في السودان بعد الحرب؟
أعتقد أن حجم الدمار الذي خلفته الحرب في السودان يفوق الوصف، ولذلك فإن تحقيق الاستقرار الاقتصادي بعد وقف الحرب وقيام سلطة مدنية، يتطلب إطلاق برنامج وطني شامل لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، يقوم على أولويات واضحة ومدروسة.
وتتمثل الخطوة الأولى في إعادة تأهيل البنية التحتية، بما يشمل شبكات الكهرباء والمياه والطرق والجسور والخدمات الأساسية، باعتبارها الركيزة التي تقوم عليها عملية استعادة النشاط الاقتصادي.
كما ينبغي إعطاء أولوية قصوى لدعم القطاع الزراعي والمنتجين عبر توفير التمويل الميسر، ومدخلات الإنتاج، والخدمات الفنية، بما يتيح استعادة النشاط الزراعي وزيادة الإنتاج والصادرات.
في الوقت نفسه، لا بدَّ من إعادة تشغيل المصانع والمنشآت الصناعية التي توقفت بسبب الحرب، ودعم القطاع الصناعي ليؤدي دوره في توفير السلع، وتقليل الاعتماد على الواردات، وخلق فرص العمل.
من الضروري أيضًا إطلاق برنامج وطني لإعادة إعمار السودان، مع العمل على استقطاب المنح والتمويلات الميسرة، وبناء شراكات مع الصناديق التنموية والمؤسسات المالية الإقليمية والدولية للمساهمة في تمويل مشروعات إعادة الإعمار.
ولا يقل أهمية عن ذلك، تنفيذ إصلاحات مؤسسية شاملة تعيد الثقة في أجهزة الدولة، ولا سيما القطاع المصرفي، من خلال إعادة تأهيل البنوك، وتوفير السيولة اللازمة، بما يمكنها من استئناف دورها في تمويل النشاط الاقتصادي.
غير أن نجاح كل هذه الإجراءات يظل مرهونًا بتوفير بيئة مستقرة وآمنة، عبر استعادة الأمن وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتحسين مناخ الاستثمار، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتشجيع عودة رؤوس الأموال والكفاءات الوطنية التي غادرت البلاد خلال سنوات الحرب، لأن التعافي الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق إلا في ظل دولة مستقرة ومؤسسات فاعلة واقتصاد منتج.



التعليقات (0)
جاري التحميل...