في مخيم تولوم للاجئين في تشاد، تجلس حواء في ظل مأوى بسيط، بينما يضع ابن أخيها أحمد، البالغ من العمر ثلاث سنوات، رأسه على حجرها. وعلى بُعد نحو 400 كيلومتر من هنا تقع مدينة الفاشر، مسقط رأسها في شمال دارفور، التي تحولت خلال الحرب إلى مدينة شبه خالية من سكانها.
تروي حواء تفاصيل الحياة التي عاشتها وأسرتها خلال الحصار الطويل للفاشر ومخيم زمزم للنازحين، حيث تنقلت بين المكانين بحثاً عن الغذاء والأمان، قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الفرار نحو تشاد.
تقول إن الجوع دفع السكان إلى تناول كل ما يمكن العثور عليه، حتى إنهم اضطروا في بعض الأحيان إلى الاعتماد على «الأمباز»، وهو بقايا الفول السوداني بعد استخراج الزيت منه، وكان يُستخدم عادةً كغذاء للماشية.
وتضيف: «هذا ما كنا نأكله».
الفاشر تحت الحصار
تعرضت الفاشر للحصار والقصف منذ أبريل/نيسان 2024، واستمر الحصار لأكثر من 500 يوم، وسط تراجع حاد في الإمدادات الغذائية وارتفاع كبير في الأسعار، بينما واجه المدنيون صعوبة متزايدة في الحصول على المساعدات الإنسانية.
وتقول حواء إن أسرتها عاشت شهوراً طويلة على كميات محدودة من الطعام، واضطرت إلى الاعتماد على العناب والماء في بعض الأحيان.
وتتذكر: «لقد تناولنا العناب لمدة عام كامل. حتى خلال شهر رمضان، كنا نفطر بالعناب والماء».
ومع اشتداد القتال، سيطرت قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين في أبريل/نيسان 2025، ثم سقطت الفاشر بعد نحو ستة أشهر من ذلك، لتصل معاناة السكان إلى مرحلة أكثر قسوة.
وتقول حواء إن الهجوم الأخير على المدينة خلّف مشاهد مروعة،
وتروي بصوت مثقل بالألم: «شاهدت أطفالي يموتون أمام عيني. لقد ماتوا جميعاً».
رحلة الهروب
أمام تصاعد القتال والجوع، لم يكن أمام حواء سوى الفرار. تقول إنها خرجت حافية القدمين، ولم يكن لديها الوقت لارتداء حذائها، وكل ما كانت تفكر فيه هو النجاة.
وتوضح: «ركضنا حفاة، ولم يكن لدينا وقت لارتداء الأحذية. كان علينا فقط أن نركض».
وخلال رحلة الهروب، حملت أطفال شقيقتها وحاولت الوصول بهم إلى منطقة أكثر أمناً، قبل أن تتمكن من تجاوز طرق وعرة ومناطق كانت تنتشر فيها مجموعات مسلحة.
وصل الناجون من الفاشر إلى مدينة الطويلة في شمال دارفور، ثم واصل بعضهم طريقهم نحو الحدود التشادية، بينما فقدت حواء الاتصال بعدد من أفراد أسرتها.
وتقول وهي تستعيد تلك اللحظات: «لم أسمع من أختي منذ ذلك الحين. لا أعرف أين أمي أو أبي».
حياة توقفت بسبب الحرب
قبل الحرب، كانت حياة حواء مختلفة تماماً. فهي تحمل شهادة ماجستير في اللغة العربية، وكانت تتابع دراستها للحصول على درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله عندما اندلع القتال.
كما كانت تعمل في وظيفة مستقرة لدى منظمة أمنية، وتعيش مع أسرتها في منزل وصفته بأنه «جميل جداً» في الفاشر.
وتقول: «كانت أيامنا رائعة: نذهب إلى العمل، نعود إلى المنزل ونرتاح. كنا نتقاضى راتباً شهرياً، وكنا نعيش حياة كريمة».
لكن الحرب بددت تلك الحياة خلال فترة قصيرة، وحولت المنزل والعمل والدراسة إلى ذكريات بعيدة.
وفي مخيم تولوم، تعيش حواء الآن في مأوى بسيط تحيط به جدران من الطوب وحواجز من القش، وسط أرض صحراوية قاحلة تنتشر فيها ملاجئ مغطاة بالقماش المشمع.
وتقول إن هدفها الأساسي هو العثور على مكان آمن يمكن للأطفال أن يعيشوا فيه ويواصلوا تعليمهم.
وتضيف أن أحمد، الذي يعيش معها، يشعر بالخوف الشديد كلما سمع صوت طائرة، ويعتقد أنها طائرة مسيّرة، كما يستيقظ ليلاً وهو يرتجف من الخوف.
وتقول بحسرة: «يتوسل إليّ أن أهرب، ولكن إلى أين أهرب؟ الحرب في كل مكان».
وتؤكد أنها لا تستطيع العودة إلى السودان بعدما فقدت أفراداً من أسرتها ومنزلها وكل ما كانت تملكه.
وتقول: «لقد فقدنا الجميع وكل شيء. إلى أين نعود؟».
ورغم كل ما مرت به، لا تزال تبحث عن فرصة للعمل حتى تتمكن من رعاية أطفال شقيقتها.
«لقد غادرنا الجحيم»
في المخيم نفسه، تعيش غادة*، التي اضطرت أيضاً إلى مغادرة الفاشر واللجوء إلى تشاد لإنقاذ حياتها.
كانت غادة تدرس علم الاجتماع قبل اندلاع الحرب، وكانت تستغل العطلات المدرسية في تدريس الأطفال. وتتذكر الحياة السابقة للحرب باعتبارها حياة مستقرة، كان أفراد الأسرة خلالها يعملون ويدرسون ويعيشون في منزل مريح.
لكن الحرب أنهت كل شيء.
تقول غادة: «عندما بدأت الحرب، نُهبت جميع ممتلكاتنا. فقدنا والدنا، وقُتل أفراد آخرون من عائلتنا. أخذوا كل شيء: منزلنا، سيارتنا، كل شيء نُهب».
وبعد فقدان منزلها ودراستها وعملها، خاضت رحلة شاقة نحو الحدود، قبل أن تصل إلى مخيم تولوم.
وتصف غادة تجربتها بعبارة تختصر حجم المأساة: «لقد غادرنا الجحيم، عالقين بين الحياة والموت».
البحث عن الأمان والمستقبل
رغم وصولها إلى تشاد، تقول غادة إن الشعور بالأمان لم يصبح أمراً مضموناً، وإن ظروف الحياة داخل المخيم لا تزال صعبة.
وتوضح: «الأمان هنا غير مستدام. هناك العديد من الظواهر السلبية التي تحدث في المخيم».
وبالنسبة إليها، يبقى الأمن أولوية تتقدم على كل شيء آخر.
وتقول: «أهم ما نحتاجه بعد مغادرة السودان هو الأمان، فهذه هي أولويتنا القصوى. يمكننا الاستغناء عن الطعام، لكن لا يمكننا الاستغناء عن الأمان».
تعيش غادة أيضاً حالة من القلق والأرق، فيما فقدت الاتصال بعدد من أفراد أسرتها الذين لجأ بعضهم إلى مناطق لا تتوفر فيها شبكات الاتصالات.
ورغم ذلك، لا تزال تتمسك بحلم العودة إلى الدراسة والعمل.
وتقول: «أريد إكمال دراستي. أريد أن أجد وظيفة لأتمكن من مساعدة الآخرين».
لكنها لا ترى العودة إلى السودان خياراً متاحاً في الوقت الراهن.
وتختتم حديثها قائلة: «لن أعود إلى السودان. لقد فقدنا أحباءنا وممتلكاتنا، لم يتبق لنا شيء. كيف يُفترض بنا أن نعيش؟».
نقلاً عن Norwegian Refugee Council



التعليقات (0)
جاري التحميل...