واشنطن: أكثر من 200 شحنة متفجرات إلى السودان
الشركة الهندية ترد: صادراتنا مدنية وليست عسكرية
وزارة الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات
أمريكا: المواد لم تستخدم في التعدين كما هو معلن
تقرير ــ صوت الأمة
لم يكن اسم رجل الأعمال الهندي ألوك تشودري معروفًا خارج الأوساط الصناعية في بلاده، لكن قرارًا صدر قبل أيام عن وزارة الخزانة الأمريكية وضعه فجأة في قلب واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالحرب الدائرة في السودان.
فالرجل الذي يقود شركة هندية متخصصة في تصنيع المتفجرات الصناعية، وجد نفسه على قائمة العقوبات الأمريكية، بعد اتهامه بتزويد السودان بمئات الشحنات من المواد المتفجرة التي تقول واشنطن إنها استُخدمت في دعم العمليات العسكرية للجيش السوداني، بينما يصر هو وشركته على أن جميع صادراتهما كانت مخصصة لأغراض التعدين والإنشاءات، وأنها تمت وفق القوانين الهندية والتراخيص الرسمية.
وتعيد القضية تسليط الضوء على البعد الدولي للحرب السودانية، إذ لم تعد المواجهات تقتصر على أطراف النزاع داخل البلاد، بل أصبحت تمتد إلى شبكات توريد وتسليح وشركات عابرة للحدود، دفعت الولايات المتحدة إلى توسيع دائرة العقوبات لتشمل شركات وأفرادًا من دول عدة.
عقوبات جديدة مرتبطة بالحرب
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، فرض عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات قالت إنهم يشكلون جزءًا من شبكات تقوم بتوفير الأسلحة والمتفجرات والمعدات العسكرية، إضافة إلى شبكات لتجنيد المقاتلين الأجانب، لصالح طرفي الحرب في السودان، معتبرة أن هذه الأنشطة ساهمت في إطالة أمد الصراع وتعميق الأزمة الإنسانية.
وقالت الوزارة إن العقوبات تستهدف شبكات دعمت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على حد سواء، مؤكدة أن استمرار تدفق السلاح والمتفجرات والتمويل العسكري أدى إلى تصعيد القتال وتقويض فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
من هو ألوك تشودري؟
يشغل ألوك تشودري منصب الرئيس التنفيذي لشركة SBL Energy Limited، وهي شركة هندية تأسست عام 2002، وكانت تحمل سابقًا اسم Amin Explosives Private Limited قبل تغيير اسمها لاحقًا.
وتُعد الشركة واحدة من الشركات الهندية المعروفة في مجال تصنيع المتفجرات الصناعية، حيث تنتج الديناميت، والمستحلبات المتفجرة، والصواعق، وخيوط التفجير، وغيرها من المواد المستخدمة في التعدين، واستخراج المعادن، وشق الطرق، وحفر الأنفاق، ومشروعات البنية التحتية.
وتصدر الشركة منتجاتها إلى أكثر من 18 دولة، وتؤكد أنها تعمل وفق منظومة التراخيص الحكومية الهندية، ولا تنتج أي ذخائر أو أسلحة أو متفجرات مخصصة للأغراض العسكرية.
لماذا استهدفته واشنطن؟
تقول وزارة الخزانة الأمريكية إن شركة SBL Energy قامت بتوريد أكثر من 200 شحنة من المتفجرات والمواد المرتبطة بها إلى شركة سودانية تحمل اسم Target Multiactivities Company (TMAC) منذ عام 2024.
وبحسب الرواية الأمريكية، فإن هذه المواد لم تستخدم في التعدين كما هو معلن، وإنما جرى تحويلها لاحقًا إلى تصنيع قنابل ومتفجرات استخدمتها القوات المسلحة السودانية في عملياتها العسكرية، وهو ما اعتبرته واشنطن دعمًا مباشرًا لاستمرار الحرب.
وترى الإدارة الأمريكية أن استمرار هذه الإمدادات ساهم في إطالة أمد الصراع الذي تصفه بأنه أحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ما هي شركة TMAC؟
لا تحظى شركة Target Multiactivities Company (TMAC) بحضور إعلامي واسع داخل السودان، إلا أن وزارة الخزانة الأمريكية تصفها بأنها شركة تعمل تحت سيطرة منظومة الصناعات الدفاعية (Defense Industries System - DIS) عبر مجموعة جياد الصناعية، وتؤدي دورًا في استيراد المواد المتصلة بالصناعات العسكرية.
كما فرضت واشنطن عقوبات على مديرها العام طارق حسين محمد مدني، معتبرة أنه يشغل في الوقت نفسه موقعًا قياديًا داخل منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، وأنه أشرف على عمليات استيراد المتفجرات من شركات مصرية وهندية، بينها شركة SBL Energy.
وبحسب البيان الأمريكي، فإن المواد المستوردة كانت تُستخدم لاحقًا في تصنيع القنابل التي تنشرها القوات المسلحة السودانية في ساحات القتال.
الشركة الهندية: الاتهامات غير صحيحة
في المقابل، رفضت الشركة الهندية جميع الاتهامات، وأكدت أن واشنطن استندت إلى معلومات غير دقيقة.
وقالت الشركة إنها لم تُصدر أكثر من 10 شحنات فقط إلى السودان منذ عام 2022، وليس أكثر من 200 شحنة كما جاء في بيان وزارة الخزانة الأمريكية.
وأضافت أن هذه الشحنات تضمنت مستحلبات متفجرة وصواعق وخيوط تفجير تستخدم في التعدين، وأنها حصلت قبل تصديرها على جميع التراخيص المطلوبة من السلطات الهندية المختصة.
وأكد مسؤول بالشركة أن كل شحنة كانت تصدر بعد الحصول على شهادة "المستخدم النهائي"، التي توضح الجهة التي ستستخدم المواد والغرض من استخدامها، وأن المستخدم النهائي أكد كتابة أن المواد ستستخدم في التعدين فقط.
كما أوضح أن الشركة تحققت قبل التصدير من قاعدة بيانات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي، ولم تكن الشركة السودانية المستوردة مدرجة حينها ضمن قوائم العقوبات الأمريكية.
كيف تعمل العقوبات الأمريكية؟
لا تعني العقوبات الأمريكية إغلاق الشركة أو وقف نشاطها داخل الهند، لكنها تفرض قيودًا واسعة على تعاملاتها الدولية.
فبمجرد إدراج شركة أو شخص على قائمة SDN التابعة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية، يتم تجميد أي أصول له داخل الولايات المتحدة، ويحظر على المواطنين والشركات الأمريكية التعامل معه، كما تتجنب غالبية البنوك الدولية تنفيذ أي تحويلات مالية مرتبطة به خشية التعرض للعقوبات الثانوية.
ولهذا، فإن التأثير الحقيقي للعقوبات لا يقتصر على السوق الأمريكية، بل يمتد غالبًا إلى النظام المالي العالمي الذي يعتمد بصورة كبيرة على الدولار الأمريكي.
ليست القضية الأولى
المفارقة أن اسم الشركة كان قد تصدر عناوين الأخبار في الهند قبل أشهر، ولكن لسبب مختلف تمامًا.
ففي مارس الماضي، وقع انفجار ضخم داخل أحد مصانع SBL Energy أسفر عن مقتل 27 عاملًا، بينهم 24 امرأة، ما فتح تحقيقًا واسعًا حول إجراءات السلامة داخل المصنع.
وأوقفت السلطات الهندية عددًا من المسؤولين التنفيذيين، بينما رفضت المحكمة العليا الإفراج عن بعضهم بكفالة قبل المحاكمة.
كما رفضت المحكمة العليا الهندية في مايو الماضي الطعن الذي تقدم به ألوك تشودري ضد قرار سابق لمحكمة بومباي العليا، وأمهلته أربعة أسابيع لتسليم نفسه أمام محكمة الجنايات في القضية المرتبطة بانفجار المصنع.
هل تغير العقوبات مسار الحرب؟
يرى مراقبون أن العقوبات الجديدة تعكس تحولًا في الاستراتيجية الأمريكية، إذ لم تعد تركز فقط على قادة الأطراف المتحاربة، وإنما أصبحت تستهدف أيضًا شبكات الإمداد والتمويل والشركات الأجنبية التي تتهمها واشنطن بالمساهمة في استمرار الحرب.
لكن خبراء يشيرون في المقابل إلى أن تأثير العقوبات سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الولايات المتحدة على تضييق مسارات التوريد البديلة، وبمدى تعاون الدول التي تنشط فيها هذه الشركات مع نظام العقوبات الأمريكي.
وفي حالة SBL Energy، تؤكد الشركة أنها ستقدم قريبًا ملفًا كاملًا إلى وزارة الخزانة الأمريكية يتضمن الوثائق والتراخيص وشهادات المستخدم النهائي، مطالبة برفع العقوبات، ومشددة على أن منتجاتها لم تكن موجهة يومًا للاستخدام العسكري، وإنما صُنعت لأغراض التعدين ومشروعات البنية التحتية فقط.
وبين الرواية الأمريكية التي تتحدث عن أكثر من 200 شحنة استخدمت في دعم العمليات العسكرية، والرواية الهندية التي تؤكد أن عدد الشحنات لم يتجاوز عشرًا، وأنها كانت مخصصة للتعدين فقط، تبقى القضية مرشحة لمزيد من الجدل، وقد تتحول إلى اختبار جديد لمدى قدرة واشنطن على إثبات اتهاماتها، أو نجاح الشركة الهندية في إقناع السلطات الأمريكية برفع العقوبات عنها.



التعليقات (0)
جاري التحميل...