ترجمة ــ نادرة المهدي
في مستشفى "نورث تيز" بمدينة ستوكتون أون تيز شمال شرقي إنجلترا، يقف أحمد بخيت اليوم أمام جهاز الموجات فوق الصوتية، يمارس المهنة التي درسها وتدرّب عليها لسنوات، ويفحص النساء في المراحل المتقدمة من الحمل.
قد يبدو المشهد عاديًا في حياة طبيب، لكنه بالنسبة لأحمد يحمل معنى آخر. فهذا المكان الذي يعمل فيه اليوم، دخله قبل فترة متطوعًا يساعد في أجنحة المستشفى، بعدما عاش سنوات بدا خلالها أن حياته المهنية قد انتهت، وأن العودة إلى المهنة التي أحبها أصبحت بعيدة المنال.
في عام 2025، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الانتظار للحصول على وضع اللاجئ، حصل أحمد على حق الإقامة كلاجئ، وبدأ يبحث عن طريق يعيد إليه شيئًا مما فقده.
كان التطوع هو البداية
لم يكن أحمد، البالغ من العمر 40 عامًا، يبحث فقط عن عمل. كان يحاول استعادة حياته التي انقطعت فجأة بين السجن واللجوء وفقدان الوظيفة والمسكن.
"جئت بتأشيرة، ودرجة ماجستير، وأمل كبير وإيجابية كبيرة. لكن كل شيء انهار فجأة"، يقول أحمد.
قبل سنوات، كانت حياته تسير في اتجاه مختلف تمامًا.
غادر السودان في عام 2010 بسبب معارضته للنظام، واتجه إلى السعودية حيث تلقى تدريبًا طبيًا. ساعدته خبرته الطبية لاحقًا في الحصول على تأشيرة عمل إلى بريطانيا، حيث بدأ العمل في مجاله.
لكن القلق على أسرته أعاده مرة أخرى إلى السودان. وحين وصل بحثًا عن أفراد عائلته، وجد أن اثنين من أطفاله وشقيقه قُتلوا بالرصاص على أيدي قوات حكومية، وفق روايته.
اعتقال بسبب نشاطه السياسي
لم تتوقف المأساة عند فقدان أسرته. يقول أحمد إنه اعتُقل بسبب نشاطه السياسي، وتعرض للتعذيب خلال فترة سجن استمرت ستة أشهر.
وبعد إطلاق سراحه، عاد إلى بريطانيا، لكنه وجد نفسه وقد فقد وظيفته، ثم انتهى به الأمر بلا مسكن ولا دخل ولا دعم.
كان يحمل معه شهاداته وخبرته الطبية، لكنه لم يكن قادرًا على استخدامها.
"كانت هناك إصابات جسدية، لكن كانت هناك أيضًا إصابات نفسية منذ عودتي إلى السودان. لفترة من الوقت، كنت أعاني من الكوابيس، وفي بعض الليالي كنت أبكي ولا أستطيع النوم".
ويضيف: "تبقى لديك ذكريات سيئة، وتسأل نفسك: ماذا فعلت في حياتي حتى أستحق هذا؟"
بدأ أحمد إجراءات طلب اللجوء، واستغرقت القضية أكثر من ثلاث سنوات، لم يكن خلالها مسموحًا له بالعمل.

من التطوع إلى العمل
وحين حصل أخيرًا على وضع اللاجئ، التحق ببرنامج "من التطوع إلى العمل" الذي تقدمه مؤسسة "هيلب فورس" الخيرية المتخصصة في دعم قطاع الرعاية الصحية.
كانت خطوته الأولى داخل المستشفى بسيطة؛ بدأ مساعدًا في الأجنحة.
لكن العاملين في "نورث تيز" سرعان ما اكتشفوا أن الرجل الذي جاء متطوعًا يحمل مهارات وخبرة طبية أكبر بكثير مما توحي به مهمته الجديدة.
انتقل أحمد إلى قسم الأشعة، وهناك بدأت ملامح الطريق إلى مهنته القديمة تظهر من جديد.
تقول هيلين ستيوارت، وهي ممارس متقدم في الأشعة بالمستشفى، إن مهارات أحمد كانت واضحة منذ البداية، خصوصًا في تعامله مع المرضى.
وتضيف أن لديه "موهبة طبيعية" في التعامل معهم، وهي صفات يحتاج آخرون إلى سنوات طويلة لاكتسابها.
وبدلًا من أن يظل أحمد متطوعًا، بدأ العاملون في المستشفى يبحثون عن طريقة تساعده على العودة إلى المهنة التي قضى سنوات في بنائها.
وبعد حصوله على الدعم اللازم لتحديث مهاراته، عاد أحمد إلى العمل في مجال الموجات فوق الصوتية، ويعمل حاليًا لدى مقدم خدمات صحية خاص.
لم تعد الشهادة التي حملها معه من الماضي مجرد ورقة، ولم تعد سنوات التدريب والخبرة ذكريات بعيدة. عاد إلى غرفة الفحص، وإلى المرضى، وإلى المهنة التي ظن في لحظة ما أنه لن يمارسها مرة أخرى.
استقرار عائلي
وفي الوقت نفسه، بدأت حياته العائلية تستقر تدريجيًا.
التحقت به زوجته رفغا وابنه المراهق مو في ستوكتون، وفي وقت سابق من هذا العام، وُلد ابنه الآخر عز الدين.
لكن ولادة عز الدين حملت لأحمد معنى خاصًا.
فقد وُلد الطفل في مستشفى نورث تيز نفسه؛ المكان الذي دخله والده ذات يوم متطوعًا، بعد رحلة طويلة من الفقد والسجن واللجوء، والمكان الذي أصبح لاحقًا بوابته للعودة إلى مهنته.
يقول أحمد إن العاملين في المستشفى كانوا داعمين له طوال الطريق، وإنه يشعر، يومًا بعد يوم، بأنه يستعيد نفسه.
"كل العاملين في نورث تيز كانوا داعمين جدًا، ويومًا بعد يوم أشعر الآن بأنني أعود إلى نفسي من جديد".
ربما لهذا لا يرى أحمد ما حصل عليه في بريطانيا بوصفه مجرد فرصة عمل.

يقول: "هذا البلد وفر لي الحماية وقدم لنا أشياء كثيرة، لذلك أشعر الآن بأن عليّ أن أرد الجميل لهذا المجتمع".
حكاية أحمد لم تتوقف عند حدود تجربته الشخصية. فالمؤسسة التي ساعدته ترى أن هناك أطباء وعاملين صحيين من اللاجئين يحملون خبرات يمكن أن تسهم في سد النقص في القطاع الصحي البريطاني، لكنهم يواجهون صعوبة في العثور على الطرق التي تعيدهم إلى المهن التي أمضوا سنوات في بنائها.
وبالنسبة لأحمد، كانت الطريق مختلفة عما تخيلها يومًا.
دخل المستشفى متطوعًا، بعدما فقد عمله ومسكنه، ثم اكتشف العاملون فيه الطبيب الذي كان يحاول أن يبدأ حياته من جديد.
وفي المكان نفسه الذي بدأ فيه أحمد استعادة مهنته، بدأت حياة جديدة أيضًا.
وُلد عز الدين في "نورث تيز"، المستشفى الذي دخل إليه والده متطوعًا، وخرج منه هذه المرة وهو أقرب إلى الحياة التي ظن ذات يوم أنها ضاعت منه.



التعليقات (0)
جاري التحميل...