ترجمة - صوت الأمة

في زمن الحرب والنزوح والخراب، يبحث الناس عادة عن وسائل للبقاء. لكن بالنسبة للسودانية ميادة الخليفة، كان البقاء يعني أيضاً الحفاظ على الذاكرة. فبينما تتناقل الشاشات صور الدمار والمعاناة في السودان، اختارت هي أن تروي حكاية أخرى عن بلادها؛ حكاية الجمال والتاريخ والهوية. لم تفعل ذلك عبر الكتب أو اللوحات فحسب، بل من خلال زجاجات عطر صغيرة تحمل بين مكوناتها عبق النيل، ورائحة الميرمية والبخور، وأصداء حضارة ضاربة في القدم.

أصبحت ميادة الخليفة، التي توصف بأنها أول صانعة عطور فرنسية-سودانية، واحدة من الأسماء الصاعدة في عالم العطور الراقية في أوروبا، بعدما أسست علامتها الخاصة "تايشابا" (TAYSHABA)، وهي علامة تمزج بين التراث السوداني العريق وفنون صناعة العطور الفرنسية الحديثة، في تجربة فريدة تحاول من خلالها إعادة تقديم السودان للعالم بصورة مختلفة.

رحلة بدأت بعيداً عن عالم العطور

قد تبدو قصة ميادة غير مألوفة في عالم صناعة العطور. فقبل أن تدخل هذا المجال، كانت قد بنت مسيرة مهنية ناجحة في قطاعات مختلفة تماماً. درست التمويل، وعملت في مناصب قيادية في قطاع الطاقة، كما شغلت مواقع تنفيذية في قطاع التكنولوجيا وأدارت أعمالاً استشارية خاصة بها. لكن رغم هذا النجاح المهني، ظل شغفها الحقيقي بالفن والجمال يرافقها في كل محطة من حياتها.

ولدت ميادة في الجزيرة أبا ، ثم عاشت في عدة دول بينها المملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة وفرنسا. هذه الحياة متعددة الثقافات منحتها منظوراً واسعاً للعالم، وأثرت بشكل عميق على شخصيتها وإبداعها الفني. فالسودان منحها الجذور، بينما قدمت لها المدن التي عاشت فيها تجارب إنسانية وثقافية متنوعة انعكست لاحقاً في أعمالها الفنية وعطورها.

وتعود علاقة ميادة بالعطور إلى سنوات الطفولة الأولى. ففي البيوت السودانية، وخاصة خلال المناسبات الاجتماعية والأعراس والاحتفالات العائلية، تشكل الروائح جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي. كانت رائحة البخور والمُرّ والعطور التقليدية تملأ الأجواء، لتصبح جزءاً من ذاكرتها العاطفية والوجدانية.

وتقول ميادة إنها اعتادت منذ صغرها أن ترتدي خلطات عطرية خاصة بها مستوحاة من وصفات سودانية تقليدية توارثتها الأجيال. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الهواية إلى شغف حقيقي دفعها إلى استكشاف عالم الروائح بشكل أعمق.

كان أصدقاؤها يسألونها باستمرار عن العطر الذي تستخدمه، ويبدون إعجابهم بتركيباتها الخاصة، وهو ما شجعها على التفكير في تحويل هذا الشغف إلى مشروع احترافي. وهكذا بدأت رحلة التعلم والتخصص في عالم صناعة العطور.

لتحويل موهبتها الطبيعية إلى احتراف حقيقي، التحقت ميادة بدورات تدريبية متخصصة في مدينة غراس الفرنسية، التي تُعرف عالمياً بأنها عاصمة صناعة العطور. هناك تعلمت أسرار تركيب الروائح واختيار المكونات وفهم التوازنات الدقيقة بين النفحات المختلفة.

ولم تكتفِ بذلك، بل واصلت تدريبها في باريس وعملت داخل مختبرات متخصصة، حيث صقلت مهاراتها ووسعت معرفتها العلمية والفنية بعالم العطور. هذه التجربة منحتها القدرة على المزج بين الإرث التقليدي الذي تحمله من السودان والأساليب الحديثة المتطورة في صناعة العطور الفرنسية.

"تايشابا".. مشروع يتجاوز العطر

عندما أطلقت علامتها التجارية "تايشابا"، لم يكن الهدف مجرد بيع عطور فاخرة. كانت تسعى إلى تقديم رؤية ثقافية متكاملة تعبر عن الهوية والانتماء والحرية.

وتستند فلسفة العلامة إلى فكرة الأصالة وعدم الخضوع للقوالب الجاهزة. فالعطور بالنسبة لميادة يعتبر وسيلة للتعبير عن الذات والاحتفاء بالتنوع الثقافي السوداني .

وتحمل أسماء عطورها دلالات مرتبطة بالسودان والنيل والذاكرة، مثل "All Nile Long" و"Cache Myrrhe" و"Ahmar Danse"، في محاولة لربط المستهلك العالمي بثقافة ربما لا يعرف عنها الكثير.

رغم إقامتها في فرنسا، يبقى السودان حاضراً بقوة في أعمال ميادة. فالمُرّ، وهو أحد أقدم المواد العطرية المستخدمة ، يشكل عنصراً أساسياً في كثير من تركيباتها. وترى ميادة أن هذه المادة ليست مجرد مكون عطري، بل رمز تاريخي يعكس الروابط القديمة بين الحضارات الأفريقية وطرق التجارة التي كانت تربط وادي النيل بالعالم.

كما تستلهم كثيراً من مشاهد الطبيعة السودانية؛ من النيل الذي يشق البلاد، إلى الأرض الخضراء الخصبة، مروراً بأجواء الأعراس التقليدية والطقوس الاجتماعية التي تميز المجتمع السوداني. وتتحول هذه العناصر جميعها إلى روائح ومشاعر داخل زجاجات عطرية تحاول أن تحفظ صورة السودان الجميل في ذاكرة العالم.

ولا تنفصل قصة ميادة عن تاريخ عائلتها. فهي تنتمي إلى أسرة ارتبط اسمها بتاريخ السودان الحديث، وتؤكد دائماً أن روح الاستقلال والحرية التي حملها أسلافها ما زالت تؤثر في رؤيتها للحياة والعمل.

هذا الإرث يظهر بوضوح في فلسفتها الإبداعية، حيث ترفض التقليد الأعمى وتسعى إلى تقديم أفكار جديدة وجريئة. بالنسبة لها، فإن صناعة العطور ليست مجرد مهنة، بل مساحة للدفاع عن حرية التعبير والإبداع والاختلاف.

إلى جانب صناعة العطور، تُعرف ميادة أيضاً كفنانة تشكيلية تقيم معارضها في فرنسا. وتؤمن بأن الفن والعطر يتشابهان في قدرتهما على إثارة المشاعر واستدعاء الذكريات.

فكما تستخدم الألوان والفرشاة لرسم المشاهد والأحاسيس، تستخدم أيضاً الروائح لبناء عوالم كاملة من الذكريات والانطباعات. ولذلك تبدو عطورها أقرب إلى أعمال فنية منها إلى منتجات تجارية تقليدية.

رسالة أمل

في ظل الحرب التي يعيشها السودان، اكتسب مشروع ميادة بعداً إنسانياً إضافياً. فبحسب تقارير فرنسية، خصصت جزءاً من عائدات مبيعات عطورها لدعم العائلات المتضررة من الحرب، في محاولة للمساهمة ولو بقدر بسيط في تخفيف معاناة أبناء وطنها.

وتقول إن هدفها لا يقتصر على صناعة العطور، بل يشمل أيضاً تعريف العالم بالسودان بعيداً عن صور الحرب والأزمات، وإبراز الوجه الحضاري والثقافي والإنساني لهذا البلد العريق.

تمثل ميادة الخليفة اليوم نموذجاً مختلفاً للنجاح السوداني في المهجر. فهي لا تقدم نفسها فقط كرائدة أعمال أو فنانة أو صانعة عطور، بل كسفيرة غير رسمية لثقافة السودان وتراثه.

ومن خلال كل زجاجة عطر تحمل توقيعها، تحاول أن تقول للعالم إن السودان ليس مجرد أخبار عن الصراع والنزوح، بل أرض حضارات عريقة وثقافات غنية وذكريات جميلة تستحق أن تُروى وتُحفظ.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...