خبير اقتصادي: ما زالت الحرب قائمة والقدرة الإنتاجية وسلاسل الإمداد والبنية الأساسية والنقد الأجنبي محدودة
وائل فهمي: المشكلة ليست في فشل الحظر بل في دولة تُفشل سياساتها بعضها بعضًا
د. محمد الناير: القرار لم يكن صائبًا ولم يحقق أهدافه في حماية الاقتصاد الوطني
خبير الأسواق الحرة: خلل قانوني خطير في تطبيق قرارات الحظر
تقرير: ناهد محمد
أربعة أشهر مرت على إصدار قرار حظر استيراد 34 سلعة ابتداءً من العاشر من مايو 2026، ووجد القرار وقتها تباينًا في الآراء؛ من انتقاد للخطوة والتحذير من تبعاتها التي وصفها البعض بالكارثية، بينما شددت وزارة الصناعة والتجارة على أهميتها في تحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها حماية الصناعة الوطنية وتشجيع الإنتاج المحلي، وجذب رؤوس الأموال الموجودة بالخارج وتوطين الاستثمارات، إلى جانب توفير فرص عمل للشباب ودعم جهود إعادة الإعمار وفق أسس اقتصادية مدروسة.
كما أكدت أن القرار ساهم في تحفيز عدد من المصانع التي كانت تعمل بطاقة إنتاجية منخفضة على زيادة نشاطها ورفع معدلات الإنتاج، كما أدى إلى توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في القطاع الصناعي والأنشطة المرتبطة به، مثل النقل والتسويق.
الضغط على العملة:
الخبير الاقتصادي وائل فهمي بدوي محمد قدم في إفادة خاصة لـ"صوت الأمة" قراءة رقمية وموضوعية تكشف أن الحظر لم ينجح حتى الآن في عكس الضغوط على العملة الوطنية.
وقال: "صدر القرار بهدف خفض الطلب على النقد الأجنبي، خصوصًا للسلع الكمالية وتوجيهه للسلع الأساسية، لكن تقييمه يجب أن ينطلق من التغير الحاد في البيئة التي طُبق فيها. فقد ارتفع الدولار في السوق الموازي من نحو 4,100 جنيه في مايو إلى نحو 7,500 جنيه في سبتمبر 2026، مما يعني أن قرار الحظر لم يحقق أثرًا كافيًا لعكس الضغوط".
مبيّنًا الآلية الاقتصادية التي يعمل بها الحظر في ظل اقتصاد حرب، قال: "اقتصاديًا يمكن للحظر أن يخفض جزءًا من الطلب الرسمي المباشر على النقد الأجنبي، لكنه لا يلغي الطلب الاقتصادي الكلي على السلع، فإذا ظلت السلعة مطلوبة ولم يتوافر لها بديل محلي تنافسي، فإن الطلب ينتقل إلى قناة أخرى. بجانب اتساع الاقتصاد الموازي، حيث يتوسع الاستيراد غير الرسمي ويحفز التهريب، وجزء من الطلب يبقى قائمًا بينما ينخفض العرض الرسمي".
ويحذر وائل من أن انخفاض الاستيراد الرسمي لا يعني انخفاض الاستيراد الكلي، بل يعني انتقال الواردات من قناة تستطيع الدولة تسجيلها ومراقبتها وتحصيل الرسوم منها إلى قنوات غير رسمية، بما يفقد الدولة الإيرادات والمعلومات التجارية والرقابة، ويزيد احتمالات الاحتكار وتشوه المنافسة.
طلب اقتصادي:
ويلفت د. وائل إلى مفارقة خطيرة تغفلها الحكومة، وهي أن الطلب على النقد الأجنبي لا يتحدد بالاستيراد وحده، فهناك طلب إضافي ضخم تكوّن بفعل العودة وإعادة تشغيل الدولة.
ويستند إلى أرقام المنظمة الدولية للهجرة التي سجلت نحو 4.65 مليون عائد حتى نهاية يونيو 2026 في 74 محلية بتسع ولايات، إضافة إلى قرار مجلس الوزراء في 17 سبتمبر بإلزام منسوبي الدولة بالالتحاق بمواقع عملهم في الخرطوم خلال 45 يومًا.
ويقول: "نحن أمام طلب اقتصادي يتسع بفعل العودة وإعادة الإعمار وإعادة تشغيل الدولة والقطاع الخاص، في وقت ما زالت الحرب قائمة والقدرة الإنتاجية وسلاسل الإمداد والبنية الأساسية والنقد الأجنبي محدودة، وينتج عن ذلك فجوة بين نمو الطلب وقدرة الاقتصاد على الاستجابة".
ويشير فهمي إلى أن الحكومة نفسها تعلن أن معالجة أزمة سعر الصرف تقوم على زيادة الإنتاج والإنتاجية وتطوير البنية التحتية للصادرات وإحلال الواردات، وهذا يكشف جوهر المسألة، وأكد أن إدارة الطلب ضرورية، لكنها لا تكفي بدون زيادة قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.
وبعد مرور عدة أشهر وتغير البيئة الاقتصادية بصورة حادة، قال الخبير الاقتصادي وائل فهمي: "لا يكفي اعتبار الحظر محققًا لهدفه لمجرد انخفاض الطلب الرسمي. فالحظر يستطيع تقييد قناة للاستيراد، لكنه لا يستطيع بمفرده إلغاء الطلب الكلي مع تزايد الاحتياجات السكانية والإنتاجية بالعودة الطوعية والإجبارية. إذا لم يتزامن مع زيادة الإنتاج المحلي وتوفير بدائل تنافسية وتسهيل الاستيراد الضروري ومدخلات الإنتاج، فقد يتحول جزء من الطلب من الاقتصاد الرسمي إلى الموازي، بما يترتب عليه تهريب وفقدان إيرادات وضغوط إضافية على الأسعار وسعر الصرف".
زيادة الإنتاج:
ويؤكد أن البديل المستدام لتقليل الواردات ليس منعها بقدر ما هو بناء قدرة إنتاجية تجعل الاستيراد أقل ضرورة، وقال إن "الحظر قد يخفض الاستيراد الرسمي، لكنه لا يخفض بالضرورة الطلب الاقتصادي الكلي، أما خفض الطلب المستدام على النقد الأجنبي فيبدأ من زيادة الإنتاج والصادرات".
فشل الدولة:
ويختتم حديثه بالتأكيد بأن المشكلة ليست في فشل قرار الحظر وحده، بل في دولة تُفشل سياساتها بعضها بعضًا (قرارٌ يخفض الطلب على النقد الأجنبي، وقرارات أخرى تعيد توليد الضغط عليه). وأضاف: "عندما تعمل أدوات الدولة في اتجاهات متعارضة، تتحول السياسة الاقتصادية من منظومة لإدارة الموارد إلى آلية لتبديدها وإبطال أثر بعضها بعضًا".
ارتفاع جنوني:
الخبير الاقتصادي د. محمد الناير انتقد قرار الحكومة بحظر استيراد عدد من السلع، مؤكدًا أن القرار لم يكن صائبًا ولم يحقق أهدافه في حماية الاقتصاد الوطني، بل قاد إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الضرورية.
وقال الناير في إفادة خاصة لـ"صوت الأمة" إن من يريد الحد من استيراد سلعة معينة أمامه خياران، الأول هو الحظر، وهو خيار غير محبذ لأنه يشجع على التهريب والأساليب غير المشروعة، والخيار الثاني، وهو الأفضل، يتمثل في فرض رسوم جمركية إضافية عالية للحد من دخولها.
وأوضح أن القائمة التي شملها قرار الحظر تضم سلعًا أساسية وضرورية للمواطن، وليست سلعًا كمالية، وأن القرار أدى إلى ارتفاع أسعارها بصورة كبيرة جدًا، ضاعفت من معاناة المواطنين.
وأضاف: "على سبيل المثال، الأرز كان سعره مستقرًا قبل القرار في حدود 3 إلى 4 آلاف جنيه، والآن يقترب من حاجز الـ10 آلاف جنيه، وكل ذلك بسبب قرار الحظر".
وأشار إلى أن قرار الحظر كان يمكن أن يكون إيجابيًا في حال تحقيق الاكتفاء الذاتي داخليًا، مستشهدًا بتجربة سابقة طُبقت بالتعاون بين منظمة جايكا اليابانية والحكومة السودانية لزراعة الأرز الهوائي - وليس المغمور بالمياه - والذي نجح نجاحًا كبيرًا في ولاية النيل الأبيض، مؤكدًا أنه كان يفترض التوسع في تلك التجربة قبل اللجوء لقرار المنع.
وتابع الناير: "سألت عددًا من العاملين في النشاط التجاري، فهناك سلع مثل الصابون السائل وصابون البودرة لها بدائل محلية، لكن سلع مثل صابون (الحمام) لا يوجد له إنتاج كافٍ يغطي حاجة السوق، فالدولة لابد أن تنشئ مصانع داخلية تغطي الاحتياج بالكامل قبل الحظر".
وأكد الناير أن السلع التي تم منعها لا تزال موجودة في الأسواق، ولكن بأسعار مرتفعة، لأنها تدخل عبر التهريب، مشددًا على أن الأفضل أن تسمح الدولة بدخولها بصورة مشروعة وتفرض رسومًا إضافية على السلع غير الضرورية، أما السلع الضرورية كالأرز فيجب استثناؤها.
وقال: "أبرز ما أركز عليه هو الأرز، كواحد من أبرز السلع في القائمة، وارتفاع سعره دليل على فشل القرار، لذلك أرى ضرورة إعادة النظر في هذا القرار لأنه لم يفد الاقتصاد بصورة كبيرة".
خلل قانوني:
المدير العام السابق للشركة السودانية للمناطق والأسواق الحرة، الخبير عبد العزيز أبوبكر، كشف عن خلل قانوني خطير في تطبيق قرارات الحظر.
وقال أبوبكر في إفادة لـ"صوت الأمة": "مثل هذه القرارات الداخلية للوزارات والمؤسسات المحلية، وحسب قانون المناطق والأسواق الحرة، يجب ألا تشمل المناطق الحرة، ولكن بحكم الواقع السائد حاليًا يتم تعميم قرارات المنع والتقييد على السلع الداخلة للمناطق الحرة، حيث يتم التقييد من الموانئ والمعابر، والأصح في حالة وجود مناطق حرة تتم عملية التقييد أو المنع في بوابة الخروج من المنطقة للدولة وليس عند الدخول".
وأضاف أن هذا التطبيق الخاطئ ضاعف الأزمة، لذلك فإن قرار حظر استيراد بعض السلع خلق ندرة ورفع الأسعار ولم يوفر الدولار، ويمتد الأثر مضاعفًا في المناطق الحرة، حظر ومنع غير صحيح بحكم القانون بعدم الدخول للمنطقة الحرة ومنع آخر لسلع موجودة أو منتجة داخل المنطقة الحرة، مما يعني أثرًا اقتصاديًا سالبًا أعمق عكس ما يهدف إليه القرار".
الغرفة القومية للمستوردين من أوائل المنتقدين للقرار، وأصدرت بيانات متتالية بهذا الشأن، وأعلن رئيس الغرفة الصادق جلال في حديثه لـ"صوت الأمة" رفض الغرفة لحظر أي سلعة، وقال إن "حظر السلع لا يلغي الطلب عليها ولن يمنع دخولها، بل يغير طريقة دخولها فقط".
وأضاف: "إذا أُغلقت القنوات الرسمية، ستجد السلع طريقها عبر التهريب والاستيراد الشخصي وتأجير السجلات وغيرها من الممارسات السالبة".
مطاردة البضائع:
وانتقد معالجة المشكلة من زاوية مطاردة البضائع وحجزها فقط دون مواجهة الأسباب، وقال: "الحظر لا يحمي المستهلك، بل يدفعه لشراء سلع أعلى سعرًا وأقل جودة وأكثر خطورة لأنه لا يخضع للرقابة".
خسارة الدولة:
وقطع أن الدولة تخسر بالحظر الرسوم الجمركية والضرائب والرقابة على الجودة وحصيلة النقد الأجنبي، وتفقد ثقة القطاع الخاص، بينما تتحمل لاحقًا تكلفة ملاحقة النشاط الذي دفعته سياساتها نفسها إليه.
وجدد المطالبة بإلغاء قرار حظر السلع فورًا والانتقال من سياسة المنع إلى سياسة التنظيم والتسهيل والرقابة، قائلًا: "ليس كل ما يمنع استيراده يختفي من السوق، والاستيراد الرسمي المنظم هو الطريق، والمواصفات هي المعيار، والمنافسة هي أساس السوق، أما الحظر فإنه يفتح أبوابًا أوسع للتهريب ويخلق بيئة للاستثناءات والاحتكارات".
وبعد مرور أربعة أشهر على دخول القرار حيز التنفيذ، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة أنها ستعكف على تقييم قرار حظر استيراد السلع ودراسة نتائجه الإيجابية والسلبية.
وينتظر الجميع من مستوردين ومستهلكين وتجار نتائج التقييم النهائي.



التعليقات (0)
جاري التحميل...