سارة عطية- صوت الامة
في الوقت الذي ظلت فيه الخرطوم، تنفي بصورة متكررة وجود أي مفاوضات خارج الأطر المعلنة، كشفت معلومات ووثائق خلال الأيام الماضية عن اتصالات مباشرة وغير معلنة بين مسؤولين سودانيين وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لتعيد إلى الواجهة الجدل حول طبيعة المفاوضات الجارية بين أطراف الحرب، وحدود ما يُعلن للرأي العام وما يُدار خلف الأبواب المغلقة.
ويأتي الجدل الجديد بعد أن أظهرت وثائق -اطلعت عليها وكالة "رويترز"- أن الحكومة لم ترفض المقترح الأمريكي الأخير الرامي إلى وقف الحرب، كما أُشيع في وقت سابق، وإنما أبدت موافقة على معظم بنوده مع تمسكها بشرط أساسي يتمثل في انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ اندلاع الحرب، وهو ما أعاد طرح تساؤلات بشأن أسباب استمرار النفي الرسمي للاتصالات السياسية، بالرغم من توالي المؤشرات التي تؤكد وجود قنوات تفاوض قائمة.
وتقود الولايات المتحدة والسعودية، بدعم من الرباعية الدولية التي تضم أيضًا مصر والإمارات، جهودًا لإحياء مسار التسوية السياسية في السودان، في ظل استمرار الحرب منذ أبريل 2023م، وما خلفته من أزمة إنسانية هي الأكبر في تاريخ البلاد الحديث.
كواليس الاتصالات:
وبينما أثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن حقيقة الاتصالات الجارية بين الخرطوم وواشنطن، كشفت معلومات حصلت عليها "صوت الأمة"، ووثائق اطلعت عليها وكالة "رويترز" عن تفاصيل جديدة تلقي الضوء على ما دار خلف الكواليس.
وكشفت مصادر مطلعة لـ"صوت الأمة"، عن أن كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، عقد قبل نحو أسبوعين لقاءين منفصلين مع عضو مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي ووزير الخارجية محيي الدين سالم، كلًا على حدة، في إطار من السرية.
وبحسب المصادر، أعقب تلك اللقاءات اجتماع جمع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونائبه كباشي في الخامس من يوليو الجاري، جرى خلاله تقييم نتائج الاتصالات ومناقشة الورقة الأمريكية، مشيرة إلى أن مثل هذه اللقاءات لا تتم بصورة عفوية، وإنما تستلزم ترتيبات رسمية تشمل السفارة السودانية والدولة المستضيفة.
وأضافت المصادر أن الحكومة تسلمت الورقة الأمريكية في العشرين من يونيو الماضي، وقدمت ردها عليها بعد خمسة أيام، وهو ما يتسق مع ما أعلنه ممثل الخرطوم لدى مجلس الأمن، الحارث إدريس، بشأن تقديم ردٍّ رسمي على المقترح.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة بعد بيان وزارة الخارجية السودانية الصادر في 27 يونيو، والذي نفت فيه صحة ما أورده مسعد بولس أمام مجلس الأمن بشأن رفض الخرطوم للمقترح الأمريكي، مؤكدة أن حديثه لا يعكس الموقف الحقيقي للحكومة.
إلا أن وثائق اطلعت عليها وكالة "رويترز" كشفت لاحقًا عن أن الحكومة لم ترفض المبادرة من حيث المبدأ، بل وافقت على معظم عناصرها، مع اعتراضها على بند يسمح بانسحاب محدود لقوات الدعم السريع، مطالبة بدلًا من ذلك بانسحاب كامل من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023م، وهو الشرط الذي ظل يمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في جولات التفاوض السابقة.
جدل السرية:
لا تبدو السرية في إدارة هذا الملف أمرًا جديدًا، إذ سبق أن أحاط الغموض بمحادثات المنامة مطلع عام 2024م، التي شارك فيها كباشي ونائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، قبل أن تتسرب أخبارها إلى وسائل الإعلام، الأمر الذي أدى إلى تصاعد انتقادات داخل معسكر الجيش وانهيار ذلك المسار قبل أن يصل إلى اتفاق نهائي.
أستاذ العلوم السياسية دكتور محمد إبراهيم، يرى أن السرية في المفاوضات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها دليلًا على وجود اتفاقات خفية، وإنما تمثل إحدى الأدوات المتعارف عليها في إدارة النزاعات المعقدة، لأنها تمنح الأطراف مساحة لمناقشة الخيارات بعيدًا عن الضغوط السياسية والإعلامية التي قد تعرقل فرص التوصل إلى تفاهمات أولية.
وقال في إفادة لـ"صوت الأمة"، إن ملفات مثل وقف إطلاق النار، والترتيبات الأمنية، ومستقبل مؤسسات الدولة، تحتاج في مراحلها الأولى إلى قدر من السرية حتى يتمكن كلُّ طرف من اختبار مقترحاته دون أن تُفسر أية مرونة على أنها تراجع أمام الرأي العام أو القوى السياسية.
وأضاف أن الكشف المبكر عن تفاصيل التفاوض قد يفتح الباب أمام ضغوط داخلية وخارجية، أو تدخلات من أطراف إقليمية ودولية تسعى للتأثير على مسار العملية التفاوضية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على فرص نجاحها.
وأوضح أن السرية لا تعني بالضرورة غياب الشفافية، وإنما قد تكون إجراءً مؤقتًا تفرضه طبيعة التفاوض، على أن تُعرض النتائج النهائية للرأي العام عند اكتمالها، مؤكدًا أن نجاح أية عملية سلام يقاس بقدرتها على إنهاء الحرب والوصول إلى تسوية مستدامة، لا بكونها علنية أو سرية، شريطة ألا تتحول السرية إلى وسيلة لإبعاد المواطنين عن القضايا التي تحدد مستقبل بلادهم.
في المقابل، يرى القيادي بالكتلة الديمقراطية مبارك أردول، أن القضية لا تتعلّق بوجود اتصالات من عدمها، وإنما بضرورة الاعتراف بها متى بلغت مرحلة تبادل الأوراق والمواقف بين الأطراف.
وأوضح في حديث مع "صوت الأمة"، أن وصول المشاورات إلى هذه المرحلة يعد مؤشرًا واضحًا على استمرار عملية التفاوض، حتى وإن جرى إنكارها أو إحاطتها بالسرية، مشيرًا إلى أن ما نشرته وكالة "رويترز" عقب جلسة مجلس الأمن يعزز الحاجة إلى التعامل مع هذا الملف بقدر أكبر من الوضوح.
وأضاف أن قضايا الحرب والسلام ومستقبل الحكم في السودان لا يجوز أن تُدار خلف الأبواب المغلقة أو أن تحتكرها جهة بعينها، لأنها تمس حاضر البلاد ومستقبلها، داعيًا إلى إعلان أية خطوات تفاوضية للرأي العام حتى يكون السودانيون على اطلاع بما يجري بشأن مستقبل دولتهم.
خلاف حول التفاوض:
ومن زاوية مختلفة، يرى القيادي بتحالف "صمود" شهاب إبراهيم الطيب، أن قيادة الجيش تتعامل مع مسارات التفاوض باعتبارها وسيلة لإدارة الصراع وكسب الوقت، أكثر من كونها طريقًا للوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب.
وأشار في مقابلة مع "صوت الأمة"، إلى أن جميع المبادرات، سواء كانت سرية أم معلنة، لم تحقق حتى الآن اختراقًا حقيقيًا يقود إلى اتفاق سلام ملزم، معتبرًا أنها وفرت للجيش فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه العسكرية والسياسية، بالتزامن مع استمرار الضغوط الدولية الرامية إلى دفع الأطراف نحو التفاوض.
وأضاف أن ما أثير أخيرًا بشأن اللقاءات غير المعلنة بين الفريق أول شمس الدين كباشي ومسعد بولس، يعكس استمرار هذا النهج، خاصة مع تزامن تلك التحركات مع خطوات داخلية، من بينها تشكيل المحكمة الدستورية، وهو ما يراه مؤشرًا على أن بعض مسارات التفاوض تُوظف لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز الوصول إلى اتفاق شامل ينهي الحرب.
رهانات الإقليم:
وإذا انصب جانب من النقاش على طبيعة إدارة المفاوضات وأثرها على فرص السلام، فإن جانبًا آخر اتّجه إلى قراءة هذه الاتصالات من زاوية أوسع، تربطها بالتحركات الإقليمية والدولية الجارية حول السودان، وما قد تعكسه من محاولات لإعادة ترتيب موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، في ظل الضغوط المتزايدة للدفع نحو تسوية سياسية، الكاتب والمحلل السياسي د. النور حمد، يشير الى أن اللقاء الذي جمع كباشي ببولس، لا يمكن عزله عن التحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى إعادة ترتيب المشهد السوداني، مرجحًا أن يكون قد جرى بتنسيق ورغبة مصرية في إطار إعادة تموضع القاهرة داخل المؤسسة العسكرية.
وقال لـ"صوت الأمة"، إن مصر ربما أدركت أن الرهان على الفريق أول عبد الفتاح البرهان لم يعد كافيًا لضمان مصالحها في السودان، ما دفعها -بحسب تقديره- إلى البحث عن شخصية أخرى داخل المؤسسة العسكرية تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا. ويرى أن كباشي يمثل أحد أبرز هذه الخيارات.
وطرح حمد عدة سيناريوهات لتفسير تلك التحركات، من بينها سعي القاهرة إلى تسويق قيادة عسكرية سودانية جديدة لدى الولايات المتحدة باعتبارها أكثر قدرة على إدارة المرحلة المقبلة، خاصة إذا جرى إبعاد الإسلاميين عن مراكز صناعة القرار. كما لم يستبعد أن تكون هذه التحركات جزءًا من محاولة لإعادة موازين القوى داخل قيادة الجيش، أو استخدام كباشي كورقة ضغط على البرهان في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
وأضاف أن الولايات المتحدة قد تستخدم، في المقابل، ملفات تتعلق بانتهاكات الحرب كوسيلة للضغط على بعض القيادات العسكرية لدفعها نحو تبني رؤية سياسية جديدة تتماشى مع الجهود الدولية لإنهاء الصراع، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز مجرد لقاءات بروتوكولية، ويدخل في إطار إعادة تشكيل التحالفات داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
ويرى حمد أن الهدف النهائي لهذه التحركات، من وجهة نظره، لا يتمثل في تمهيد الطريق لانتقال ديمقراطي كامل، وإنما في إعادة إنتاج سلطة عسكرية أكثر قبولًا لدى الأطراف الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية للدول المؤثرة في الملف السوداني.
وفي المحصلة، تكشف الوقائع التي برزت خلال الأيام الماضية، عن أن الاتصالات بين أطراف الحرب والوسطاء الدوليين لم تتوقف، مهما اختلفت الروايات الرسمية بشأنها. وبين من يعتبر السرية ضرورة تفرضها طبيعة التفاوض، ومن يراها وسيلة لإبعاد الرأي العام عن ملفات مصيرية، يبقى الثابت أن مسار إنهاء الحرب لا يزال يتحرك في مساحة يغلب عليها الغموض.



التعليقات (0)
جاري التحميل...