ترجمة ــ نادرة المهدي

كتب الصحفي إسماعيل كشكش في موقع "نييمان ريبورتس" التابع لمؤسسة نيمان للصحافة بجامعة هارفارد، مقالاً تناول فيه المخاطر التي يواجهها الصحفيون السودانيون في تغطية الحرب، في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية.

وقُتل أكثر من 30 صحفياً منذ اندلاع القتال في عام 2023، بينما لا يزال الصحفيون الذين يواصلون العمل يواجهون الخطر، إلى جانب تقلص الاهتمام الدولي بما يقدمونه.

قد لا يتبادر إلى ذهنك ذلك من كثرة العناوين الرئيسية، لكن أكبر أزمة إنسانية في العالم ليست في غزة أو أوكرانيا، بل في السودان، وقد بدأت في أبريل 2023، عندما اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية وحليفتها السابقة، الجماعة شبه العسكرية المعروفة باسم قوات الدعم السريع.

واجتاح العنف البلاد، وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد القتلى قد يصل إلى 400 ألف، إلى جانب انتشار الاغتصاب والنهب، ونزوح 12 مليون شخص، ومواجهة 25 مليوناً خطر الجوع.

وقال توم بيريلو، الذي شغل منصب المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان خلال العام الأخير من إدارة الرئيس جو بايدن: "لا أعتقد أنني رأيت في حياتي تبايناً كبيراً كهذا بين حجم الأزمة وحجم التغطية الإعلامية. ويعود ذلك إلى أن حجم المعاناة في السودان هائل، وإلى أن التغطية الإعلامية متدنية للغاية".

أصبحتُ في نهاية المطاف صحفياً، وفي عام 2007 انتقلت إلى الخرطوم لأوظف معرفتي بالسودان وأعمل صحفياً مستقلاً. لم يكن هناك سوى عدد قليل من المراسلين المقيمين في الخرطوم الذين يعملون لوسائل إعلام ناطقة بالإنجليزية.

كانت الخطة أن أبقى أربعة أشهر، لكنها تحولت إلى ثماني سنوات. وكانت حكومة البشير تجعل من الصعب على الصحفيين التنقل بحرية أو حتى التقاط الصور في الأماكن العامة.

بداية الحرب

في صباح السبت 15 أبريل 2023، كنت في شقتي الصغيرة وسط الخرطوم، أستعد للخروج لشراء احتياجات عيد الفطر، عندما سمعت دوي إطلاق نار كثيف.

ومن شرفتي، رأيت سيارات حكومية مسرعة في شارع ذي اتجاه واحد، تسير في الاتجاه المعاكس. صورت ما استطعت بهاتفي المحمول ونشرت المقطع على تويتر، المعروف الآن باسم "X".

كان القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قد بدأ.

وفي مقابلة مع "سكاي نيوز"، قلت: "هذا أسوأ سيناريو ممكن".

وأرادت شبكة تلفزيونية هندية إجراء مقابلة معي عبر "سكايب"، على أن تظهر المدينة خلفي. لكن مع انتشار شائعات عن وجود قناصة في الحي، وعدم امتلاكي معدات وقائية، قررت أن الأمر بالغ الخطورة.

سرعان ما انقطعت الكهرباء، وأصبح الاتصال بالإنترنت متقطعاً. ومع وجود حاسوب محمول وهاتفين بالكاد مشحونين، لم يكن أمامي سوى رفض المزيد من طلبات المقابلات. كنت بحاجة إلى هاتفي للتواصل في حالات الطوارئ.

قضيت الأيام التسعة التالية محاصراً في المبنى الذي أسكن فيه مع 31 شخصاً. وتمكنا أخيراً من المغادرة بعد التفاوض مع مقاتلي قوات الدعم السريع في الخارج.

وصلت إلى منطقة أخرى من المدينة، ثم عبرت الحدود إلى مصر بالحافلة.

وفي أنحاء العاصمة السودانية، كان مقاتلو قوات الدعم السريع يحتلون مكاتب وسائل الإعلام وينهبونها ويدمرونها. وفي صباح اليوم الذي اندلع فيه القتال، اقتحموا مكاتب تلفزيون السودان وقطعوا بثاً مباشراً.

وجد مئات الصحفيين السودانيين أنفسهم نازحين أو عاطلين عن العمل. وانتقلت بعض المؤسسات الإعلامية إلى بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، حيث أعاد كبار قادة الجيش وموظفوه تنظيم صفوفهم لتشكيل حكومة أمر واقع.

واحتجز الجيش لفترة وجيزة ثلاثة صحفيين من "سودان تريبيون"، التي نُهبت مكاتبها، بينما طردت قوات الدعم السريع اثنين من مراسليها من الأراضي التي تسيطر عليها في دارفور.

ومن بين مراسلي "سودان تريبيون" الأربعة عشر المقيمين في السودان، انتقل خمسة إلى القاهرة أو كمبالا في أوغندا. وفعل صحفيون من العديد من المؤسسات الإعلامية الأخرى الشيء نفسه.

ظهرت أيضاً وسائل إعلام مستقلة جديدة، من بينها مجلة "أطَر"، التي جذبت الانتباه بمقالات نقلت أصوات الناس العاديين العالقين في خضم القتال.

كما تمكن "مرصد حرب السودان"، وهو تعاون بين صحفيين متطوعين وباحثين في المصادر المفتوحة يجمعون المعلومات، من بناء قصص إخبارية من خلال تحليل مقاطع فيديو من الهواتف المحمولة وبيانات نظام تحديد المواقع العالمي ومصادر رقمية أخرى.

وقال السنوسي آدم، وهو صحفي في الفريق: "كنا نعلم أنه لن يغطي أحد الحرب".

وكان من أبرز السبق الصحفي الذي حققه الفريق مقطع فيديو أظهر ضباطاً في استخبارات الجيش وهم يعدمون معتقلين ويتفاخرون بذلك فيما بينهم.

مكتب مدمر به أثاث مكسور وكراسي متناثرة. السقف منهار جزئياً وتظهر الأسلاك، والجدران بها ثقوب وأضرار واضحة.

معركة على جبهات عديدة

كان التصدي لسيل المعلومات المضللة والدعاية، التي ينشر الكثير منها كل من قوات الدعم السريع والجيش السوداني، أحد أكبر التحديات التي واجهت الصحفيين السودانيين.

وينشر الطرفان مواقع إلكترونية وصحفاً بصيغة PDF ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويستخدم الجيش وسم #معركة_الكرامة على منصات "X" وفيسبوك وتليغرام، بينما تستخدم قوات الدعم السريع وسم #معركة_الديمقراطية.

وقالت نهال عبد اللطيف، منسقة مشاريع في "بيم ريبورتس"، وهي منظمة مستقلة للتحقق من المعلومات تأسست عام 2021 في الخرطوم وانتقلت إلى نيروبي في كينيا خلال الحرب:

"شنّ كلا طرفي النزاع حملات دعائية نشطة، وعمدا إلى تضمين معلومات مضللة وكاذبة في رسائلهما لتعزيز روايتيهما".

وأضافت: "لقد شهدنا أشكالاً جديدة ومتطورة على نحو متزايد من التضليل تنتشر بسرعة أكبر ويصعب التحقق منها، ولا سيما استخدام الذكاء الاصطناعي".

وفي محاولة أخرى تهدف إلى دحض الدعاية، شكّل صحفيون يمثلون 20 مؤسسة إعلامية سودانية مستقلة "منتدى الإعلام السوداني".

ووصف كمال الصادق، قائد المبادرة ورئيس تحرير "راديو دبنقا"، وهي مؤسسة إخبارية سودانية مقرها أمستردام، المنتدى بأنه "تحالف لدعم وتطوير الإعلام والدفاع عن حرية الصحافة والسلام والديمقراطية، ومكافحة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة والتضليل".

إنها مهمة شاقة

وخلصت نقابة الصحفيين السودانيين، في تقرير لها صدر في أبريل، إلى أن "90% من المؤسسات الإعلامية السودانية تضررت أو دُمرت بالكامل".

وقالت النقابة مؤخراً إن 32 صحفياً قُتلوا منذ بداية الحرب، بينما تعرض كثيرون آخرون للاعتداء والاعتقال والتعذيب والاختطاف.

ومن بين الضحايا مراسلة "سودان بكرة" حليمة إدريس سالم، التي دهستها مركبة تابعة لقوات الدعم السريع أثناء تغطيتها للأوضاع المزرية في أحد مستشفيات أم درمان.

ومن الضحايا أيضاً الكاتب الصحفي المستقل يحيى حمد فضل الله، الذي اعتُقل بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، وتعرض للتعذيب وحُرم من العلاج الطبي.

وفي أكتوبر 2025، اختطف مقاتلو قوات الدعم السريع واحتجزوا مراسل "الجزيرة" في الفاشر، معمر إبراهيم، زاعمين في مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي أنهم يحققون في تقاريره "المتحيزة".

ويقول الصحفيون السودانيون إن ما يزيد معاناتهم هو شعورهم في كثير من الأحيان بأن لا أحد خارج بلادهم يراقب ما يحدث.

وفي أبريل نشر عشرة صحفيين سودانيين ما زالوا داخل البلاد رسالة في صحيفة "لوموند" الفرنسية، قالوا فيها:

"نحن، الصحفيين السودانيين، ندعو إلى حشد دولي لدعم أولئك الذين ينقلون إليكم الأخبار من داخل البلاد، معرضين حياتهم للخطر، سواء كانوا على الخطوط الأمامية أو في المنفى القسري".

متظاهر سوداني يلوح بعلم السودان فوق أكتاف حشد من الناس أمام مبنى عليه صور لشهداء، خلال احتجاجات في السودان.

صعوبات الإعلام الدولي

في الأيام الأولى للحرب، اضطرت المؤسسات الإخبارية الإقليمية والدولية إلى الارتجال مثلها مثل الجميع.

كان لدى العديد من وسائل الإعلام الناطقة بالعربية مراسلون في السودان، لكن معظمهم كانوا محاصرين في مبنى بجنوب الخرطوم، حيث لم تكن اللقطات الواسعة للمدينة، التي تلتقط من سطح المبنى، تظهر سوى جزء صغير من العنف.

واستعانت قناتا "العربية" و"الحدث" بالمقداد حسن، وهو صيدلي تلقى بعض التدريب الصحفي، وكان يعيش في منطقة لم يكن بإمكان المراسلين الآخرين الوصول إليها.

وقال لي: "كانت الخرطوم تعج بالفوضى في الأيام الأولى للحرب، وكان أول بث مباشر لي عبر هاتف محمول كان يحمله أحد أصدقائي. في البداية، كنت أشعر بالخوف بسبب قلة خبرتي، لكنني سرعان ما بدأت أتحمس لتغطية المهام الخطرة".

أما وسائل الإعلام العالمية، فقد تمكن عدد منها، خصوصاً المؤسسات التي لديها أقسام باللغة العربية، من تقديم بعض التغطية.

وأطلقت "دويتشه فيله" العربية برنامج "السودان الآن" في عام 2023، بينما خصصت "بي بي سي نيوز العربية" خدمة إذاعية طارئة عبر الموجات القصيرة لأخبار السودان.

ولم يكن أمام الصحفيين الأجانب سوى خيارات قليلة لدخول السودان.

وكان أحد الخيارات عبور الحدود من تشاد إلى الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، لكن القتال العنيف كان يجعل ذلك شديد الخطورة.

وحاول كثيرون الدخول عبر بورتسودان، التي كانت تحت سيطرة الجيش، لكنهم مُنعوا من الحصول على تأشيرات.

ومنح ذلك يسرى الباقر، مراسلة "سكاي نيوز" المقيمة في جوهانسبرغ، ما وصفته بـ"ميزة الأرض" على منافسيها.

وباعتبارها تحمل الجنسيتين البريطانية والسودانية، وبالتالي لا تحتاج إلى تأشيرة، أصبحت أول صحفية غربية تنقل تقارير من داخل السودان لصالح وسيلة إعلام ناطقة بالإنجليزية.

دخلت عبر بورتسودان وأقنعت السلطات العسكرية بالسماح لفريقها بالدخول أيضاً.

وكانت قد غطت بالفعل عمليات إجلاء الرعايا الأجانب من السودان إلى جيبوتي، ومنها إلى جدة، حيث التقت مصادفة بعمها وعانقته خلال بث مباشر.

ومن داخل السودان، رافقت الجيش وسجلت مشاهد للدمار الذي لحق بسوق أم درمان القديم، كما قدمت تقارير من منزل عائلتها الذي تعرض للنهب.

حاولت وسائل إعلام أخرى مواكبة الباقر، لكن الآمال في أن يحظى السودان أخيراً بالاهتمام الذي يستحقه تبددت في الواقع بعد نحو ستة أشهر من الحرب، مع هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر.

وفي خريف عام 2023، تراجعت التغطية الإعلامية للسودان بشكل كبير.

وقال حسين الأحمد، الأستاذ المساعد للإعلام والاتصال في الجامعة العربية الأمريكية في رام الله، والخبير في التغطية الإعلامية للعالم العربي:

"إن نسيان السودان لا يتعلق كثيراً بالإغفال، بقدر ما يتعلق بتسلسل أولويات الظهور في النظم الإعلامية العالمية والإقليمية. ومن حيث القيمة الإخبارية، وعلى خلاف أوكرانيا أو غزة، يوجد السودان في منطقة هامشية".

وفي ديسمبر من ذلك العام، نشر خبيران في الشأن السوداني، أليكس دي وال وعبدول محمد، مقال رأي في صحيفة "نيويورك تايمز" بعنوان "الحرب التي نسيها العالم".

وأعرب المقال عن أسفه لضعف التغطية الإعلامية للسودان، وحذر من أن الولايات المتحدة تخاطر بأن تصبح شاهداً صامتاً على الإبادة الجماعية.

وبعد ثلاثة أشهر، في مارس 2024، استعاد الجيش السوداني السيطرة على مكاتب إذاعة وتلفزيون السودان في أم درمان، وبدأ بمنح المزيد من التأشيرات للصحفيين الأجانب.

وشمل ذلك مراسلين من "بي بي سي نيوز العربية"، و"نيويورك تايمز"، و"واشنطن بوست"، و"وول ستريت جورنال"، و"PBS News"، و"CBS"، و"ذا أتلانتيك".

وأصبح مرافقة الجيش الطريقة الأكثر ضماناً أمام الصحفيين للتنقل في السودان.

ولم يكن الأمر مثالياً، لأن الجيش كان يتحكم في ما يستطيع الصحفيون رؤيته، لكنه على الأقل كان يعني أن العالم الخارجي بدأ يولي مزيداً من الاهتمام.

وكان العديد من هذه الرحلات يُرتب بواسطة المقدم حسن إبراهيم، الذي كان يتولى طلبات وسائل الإعلام الأجنبية لدى الجيش.

وقُتل حسن إبراهيم في غارة بطائرة مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع في مارس، إلى جانب مراسل عسكري آخر وأربعة من أفراد طاقم تلفزيون السودان، بينما كان الجيش يستعيد السيطرة على القصر الرئاسي.

وتضررت التغطية التي تقدمها وسائل الإعلام العامة الأمريكية منذ أن خفضت إدارة ترامب والكونغرس التمويل.

ومنذ مغادرتي الخرطوم، تابعت الأحداث والتغطية الإعلامية عن كثب. وكتبت عن الحرب وشاركت في ندوات حولها، أملاً في أن يعرف المزيد من الناس ما يحدث.

وعلى الرغم من جهود الصحفيين السودانيين الذين يعملون في ظروف بالغة الصعوبة، لا يزال هناك الكثير مما ينبغي تغطيته.

كل ذلك يجعلني أتساءل: إذا كانت إحدى أعظم الأزمات الإنسانية التي سُجلت على الإطلاق لا تستحق تغطية إعلامية واسعة، تتجاوز بكثير ما يستطيع المراسلون المحليون تقديمه، فما الذي يستحقها إذن؟

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...