سارة عطية – صوت الأمة

أعادت واقعة إعلان تعيين السفير إدريس محمد علي وكيلاً لوزارة الخارجية، ثم نفي الحكومة لاحقًا صدور أي قرار بهذا الشأن، الجدل حول آليات صناعة القرار داخل الحكومة المتمركزة في بورتسودان، في ظل تكرار وقائع شهدت إعلان قرارات أو تداولها رسميًا قبل التراجع عنها أو نفيها.

وبدأت القضية بعد تداول أنباء واسعة عن صدور قرار بتعيين السفير إدريس محمد علي وكيلاً لوزارة الخارجية، غير أن وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة سارعت إلى إصدار بيان أكدت فيه أن مجلس الوزراء لم يصدر أي قرار بتعيين وكيل للوزارة، ووصفت ما تم تداوله عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بأنه عارٍ من الصحة.

ودعت الوزارة وسائل الإعلام والجمهور إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية، محذرة من أن نشر الأخبار غير الموثقة من شأنه تضليل الرأي العام وإرباك المشهد الإعلامي.

رواية مختلفة

لكن النفي الحكومي لم ينهِ الجدل، إذ قدم الإعلامي عبد الماجد عبد الحميد، المقرب من دوائر صناعة القرار، رواية مغايرة، مؤكدًا أن قرار تعيين السفير إدريس محمد علي صدر بالفعل.

وقال عبد الحميد، عبر حسابه على «فيسبوك»، إن السفير إدريس أُبلغ رسميًا بالقرار عبر اتصال هاتفي من مدير مكتب رئيس الوزراء العميد نزار، قبل أن يتسلم قرار تعيينه بصورة رسمية.

وأضاف أن الوكيل الجديد حظي باستقبال رسمي لدى وصوله إلى مدينة بورتسودان من وفد بوزارة الخارجية، مشيرًا إلى أن عددًا من كبار السفراء السابقين كانوا على علم مسبق بإجراءات تعيينه، وأن الخطوة تمت بموافقة وزير الخارجية.

ووصف عبد الحميد ما جرى بأنه سابقة غير معهودة، معتبرًا أن مجلس الوزراء لم يشهد، وفق الأعراف والتقاليد المتبعة، هذا القدر من التخبط في إصدار القرارات والتراجع عنها منذ عقود.

وأثارت الروايتان المتناقضتان تساؤلات جديدة حول طبيعة آليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة، ومدى التنسيق بين الجهات المختصة قبل الإعلان عن القرارات التنفيذية، خاصة مع تكرار وقائع مشابهة خلال الأشهر الأخيرة.

تعدد مراكز القرار

ويرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، الدكتور إبراهيم كباشي، أن التضارب الذي صاحب عددًا من القرارات الحكومية خلال الفترة الأخيرة قد يعكس وجود تعدد في مراكز صناعة القرار داخل السلطة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تفسيرات تتعلق بوجود صراعات مؤسسية غير معلنة، إلى جانب تنافس بين شبكات ومجموعات نافذة فرضتها طبيعة التكوين السياسي للسلطة الحالية.

ويقول لـ«صوت الأمة» إن المشهد لا يقتصر على الخلافات الداخلية، بل تتداخل فيه أيضًا اعتبارات إقليمية ودولية، في ظل سعي الحكومة إلى تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية خارجية، وهو ما قد ينعكس على بعض القرارات أو يؤدي إلى التراجع عنها تحت تأثير ضغوط متباينة.

ويضيف أن الشارع السوداني لم يعد يتعامل مع مثل هذه الوقائع باعتبارها مفاجئة، إذ باتت الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية تستحوذ على اهتمام المواطنين أكثر من متابعة التجاذبات السياسية والإدارية.

ويرى أن تكرار إعلان القرارات ثم التراجع عنها أو نفيها يعكس حالة من الارتباك في عملية اتخاذ القرار، وقد يكون مؤشرًا على غياب رؤية موحدة وضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة، بما يجعلها تبدو وكأنها تعمل كمراكز نفوذ متوازية، بدلًا من أن تكون جزءًا من منظومة مؤسسية متماسكة تحكمها آليات واضحة لاتخاذ القرار وتنفيذه.

ويعتبر أن المؤسف في الأمر هو أن هذه الوقائع غالبًا ما تتحول إلى مادة للسجال الإعلامي وتبادل الاتهامات، دون أن تقود إلى مراجعات مؤسسية تعالج أوجه القصور في منظومة الحكم والإدارة. ويرى أن استمرار الاستقطاب السياسي، إلى جانب توظيف ظروف الحرب لتبرير كثير من الإخفاقات، يجعل تكرار مثل هذه الحوادث أمرًا مرجحًا ما لم تُجرَ إصلاحات حقيقية في آليات صناعة القرار وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة.

تراجع الثقة

من جانبه، يرى الناطق الرسمي الأسبق لوزارة الخارجية، السفير الدكتور حيدر البدوي، أن الجدل الذي صاحب إعلان تعيين وكيل لوزارة الخارجية ثم نفي القرار لاحقًا يعكس، بحسب تقديره، حالة من تعدد مراكز اتخاذ القرار داخل السلطة، ويعد مؤشرًا على تراجع التماسك بين مكونات الحكومة.

ويشير في حديثه مع «صوت الأمة» إلى أن صدور قرار التعيين ثم نفيه، رغم تداول خطاب التعيين على نطاق واسع، يثير تساؤلات بشأن آليات صناعة القرار، ويعزز الانطباع بوجود تباينات بين مراكز النفوذ داخل السلطة.

وأضاف أن ذلك يشير، من وجهة نظره، إلى محدودية قدرة حكومة كامل إدريس على إدارة الملفات التنفيذية، وإلى غياب الانسجام بين القيادات التي تمسك بزمام السلطة.

ويتوقع البدوي أن تؤدي مثل هذه التطورات إلى مزيد من تراجع ثقة مؤيدي الحكومة، مع استمرار التنافس، المعلن وغير المعلن، بين مراكز اتخاذ القرار، الأمر الذي قد ينعكس على تماسك السلطة وقدرتها على إدارة الدولة.

ويختم بالقول إن استمرار هذا الوضع قد يفتح المجال أمام القوى المدنية، إذا تمكنت من توحيد صفوفها وتنظيم حراكها، لإحداث تغيير في المشهد السياسي وإنهاء الحكم القائم، على حد تعبيره.

ويرى مراقبون أن واقعة تعيين وكيل وزارة الخارجية لا تمثل حادثة معزولة، وإنما تأتي ضمن سلسلة من القرارات التي أثارت جدلًا بسبب تضارب المعلومات أو التراجع عنها.

وبين قرارات تُعلن ثم تُسحب، وأخرى تُنفى بعد تداولها، تتزايد التساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه الوقائع تعكس مجرد خلل إداري واتصالي، أم أنها تكشف عن صراعات أعمق داخل مراكز صناعة القرار.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...