كشف تحقيق استقصائي موسع أجرته وكالة «رويترز» دور غامض ومثير للجدل يلعبه جندي سابق في القوات الخاصة للجيش الأمريكي يُدعى ستيفن شاوليس (63 عاماً). التحقيق يثبت، عبر تتبع السجلات والوثائق وصور الأقمار الصناعية وبيانات التموضع الجغرافي للهواتف المحمولة، أن شركات يسيطر عليها شاوليس الذي حصد مئات ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين عبر عقود مع وزارة الدفاع (البنتاغون) والأمم المتحدة كانت تُشغّل سراً أسطولاً من طائرات «بوينغ» القديمة التي حطت في محاور لوجستية بالغة الحساسية لصالح «قوات الدعم السريع» السودانية، شبه العسكرية، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في إقليم دارفور.

من مزارع أفغانستان إلى مطارات دارفور: قصة المقاول الأمني
يبدو ستيفن شاوليس للوهلة الأولى نموذجاً تقليدياً للمقاولين العسكريين الذين أفرزتهم حروب الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول). فبعد مغادرته صفوف القوات الخاصة الأمريكية، شق شاوليس طريقه في قطاع اللوجستيات وإعادة الإعمار في مناطق النزاعات.
تأسست شركته الرئيسية «CADG» (التي عُرفت سابقاً بمجموعة تنمية آسيا الوسطى) في عام 2002 بسنغافورة، بالتزامن مع الغزو الأمريكي لأفغانستان. ومنذ ذلك الحين، نجحت المجموعة في التحول إلى إمبراطورية أعمال مترامية الأطراف، وحصلت على عقود من الحكومة الأمريكية ووكالات الأمم المتحدة تجاوزت قيمتها الإجمالية 419 مليون دولار.
وشملت مشاريع الشركة بناء البنية التحتية والمقرات العسكرية للقوات الأمريكية في أفغانستان، وتركيب شبكات تكييف الهواء الشاملة في المعسكرات الأمريكية في العراق، وصولاً إلى بناء مدرج مطار مخصص لوزارة الدفاع الأمريكية في كينيا، فضلاً عن بناء مجمعات إدارية لفائدة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في موزمبيق وجمهورية أفريقيا الوسطى.
غير أن الوجه الآخر لهذه الإمبراطورية اللوجستية، كما تظهره البيانات الأخيرة، ارتبط فجأة بالصراع السوداني المشتعل، حيث سخرت شركات تابعة لشاوليس وعائلته أسطولاً من طائرات الشحن القديمة التي ربطت مراكز الإمداد الإقليمية بمعاقل قوات الدعم السريع، في وقت تفرض فيه الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي عقوبات مشددة على كبار قادة الميليشيا والشركات المتهمة بتزويدها بالسلاح والمرتزقة.

غارة نيالا: خيط الدخان الذي كشف المستور
لم تكن خطوط إمداد هذا الأسطول الجوي لتخرج إلى العلن لولا الغارة الجوية الحاسمة التي شنها الطيران الحربي التابع للجيش السوداني في الثالث من مايو (أيار) 2025 على مطار مدينة نيالا، العاصمة اللوجستية والعسكرية لقوات الدعم السريع بدارفور.
في تلك الليلة، استهدفت المقاتلات السودانية طائرة من طراز «بوينغ 737» (رقم التسلسل MSN 22577) كانت رابضة على أرض المطار الصغير. وأدت الغارة إلى تدمير الطائرة بالكامل ومقتل 54 شخصاً، من بينهم 51 مقاتلاً من قوات الدعم السريع، فضلاً عن إصابة 57 آخرين نُقلوا إلى المستشفى السوداني التركي بالمدينة. ونقلت مصادر استخباراتية غربية أن من بين القتلى ستة ضباط ميدانيين كبار في قيادة الميليشيا بدارفور، إلى جانب ثلاثة من طاقم الطائرة: طيار جنوب سوداني، وطيار كيني، ومهندس صيانة بيروفي.
قادت التحقيقات في عقود عمل وهوية الطاقم القتيل مباشرة إلى شركة «أوكسيدنتال لخدمات الدعم»، وهي شركة مسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملوكة بالكامل لستيفن شاوليس. واطلعت رويترز على عقود عمل الطاقم، حيث تبين أن الطيار الجنوب سوداني قد وقّع عقداً مع شركة «أوكسيدنتال» في 13 أبريل (نيسان) 2025أي قبل مقتله بثلاثة أسابيع فقط للعمل كمساعد طيار براتب يومي يبلغ 200 دولار، مع حوافز تصل إلى 1000 دولار مقابل «الهبوط في ظروف صعبة وبيئات معقدة».
وعلى الرغم من أن شركة شاوليس الإماراتية كانت تشغل الطاقم، إلا أن تفاصيل ملكية الطائرة المدمرة ذات الطلاء العنابي والأبيض المميز لا تزال غامضة، نظراً للتعقيدات القانونية في قطاع الطيران حيث غالباً ما تفصل الشركات بين ملكية الطائرات وعمليات التشغيل وتوفير الأطقم.

الطائرات البرازيلية والأمريكية: أساطيل الظل تتحرك
تدمير طائرة نيالا لم يوقف العمليات؛ إذ تتبعت التقارير الجنائية طائرتين أخريين من طراز «بوينغ 727» كلاسيكيتي الصنع، تم شراؤهما ونقلهما إلى القارة الأفريقية لخدمة ذات الشبكة:
• الطائرة الأولى (رقم التسلسل MSN 21951): طائرة شحن مصنعة عام 1980، كانت مملوكة لشركة «كاليتا تشارترز» الأمريكية في ميشيغان. في 29 مايو (أيار) 2025، اشترت شركة «كونتراكتور إيرويز» المقيمة بجنوب أفريقيا هذه الطائرة. ويشير سجل الشركات في جنوب أفريقيا إلى أن شاوليس وشريكه التجاري القديم كريغ مونرو هما المالكين المشتركين لهذه الشركة. وطارت الطائرة في نفس يوم توقيع العقد مباشرة إلى العاصمة التشادية نجامينا.

• الطائرة الثانية (رقم التسلسل MSN 22438): طائرة شحن برازيلية كانت مملوكة لشركة «توتال كارغو». بيعت هذه الطائرة لوسيط أمريكي في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 مقابل مليون دولار، والذي قام بدوره بنقل ملكيتها إلى شركة «أوكسيدنتال لخدمات الدعم» التابعة لشاوليس. وحلقت الطائرة من البرازيل إلى تشاد أواخر عام 2024.
وتشير السجلات إلى أن الطائرة البرازيلية خضعت لعمليات صيانة معقدة ومكثفة داخل مطار نجامينا، حيث رصدت صور الأقمار الصناعية إزالة محركها الأيمن واستبداله بمحرك ذي طلاء داكن مميز سهل عملية تعقب حركتها لاحقاً عبر الأقمار الصناعية.
جغرافيا الإمداد: محاور سرية تربط ليبيا وتشاد بدارفور

رغم إنكار الأطراف المتداخلة، فإن السجلات التقنية ترسم خريطة واضحة لمسار الرحلات الجوية التي نفذتها طائرات شاوليس. فقد كشفت بيانات الموقع المأخوذة من هاتف محمول كان على متن طائرة «كاليتا»، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي حللتها مجموعة «رؤى الصراع»، أن الطائرتين من طراز «بوينغ 727» كانتا تتمركزان بانتظام في القسم العسكري الخاضع لحراسة مشددة بمطار نجامينا الدولي في تشاد، وهو القسم الذي يُحظر الدخول إليه وتُحفظ فيه الطائرات الرئاسية والمسيرات التشادية.

ومن هذا المحور المحصن، نفذت الطائرات ما لا يقل عن 16 رحلة هبوط في ثلاثة مراكز لوجستية رئيسية بالغة الأهمية لقوات الدعم السريع:
1. مطار الكفرة (ليبيا): نفذت الطائرتان ما لا يقل عن عشر رحلات مجتمعة إلى هذا المطار الواقع في جنوب شرق ليبيا بالقرب من الحدود السودانية، والذي تسيطر عليه قوات القيادة العامة بشرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر والمتحالفة إقليمياً مع الإمارات. ومثّل هذا المطار شريان حياة حاسم لقوات الدعم السريع لإيصال العتاد والمقاتلين خلال حصارها الطويل لمدينة الفاشر.
2. مطار بوصاصو (الصومال): استُخدم هذا الميناء الجوي كممر لوجستي إضافي لنقل المؤن والمعدات بعيداً عن الرقابة المباشرة.
3. مطار نيالا (السودان): رغم النفي المستمر لشركات المقاولات، فإن مقطع فيديو تم التحقق من صحته يظهر طائرة «بوينغ 727» التابعة لشركة شاوليس (ذات الذيل الرمادي والخطوط الحمراء المميزة) وهي تهبط في مطار نيالا الخاضع للدعم السريع في دارفور، في إطار نقل مقاتلين ومعدات عسكرية، بما في ذلك نقل مقاتلين أجانب يُعتقد أنهم مرتزقة كولومبيون جرى تجنيدهم للقتال في صفوف الميليشيا.

تقاطع المصالح وصمت الأطراف الدولية
تثير هذه القضية تساؤلات قانونية وسياسية بالغة الحساسية والتعقيد حول كيفية تمكن مقاول عسكري أمريكي بارز من تشغيل شبكة شحن جوي تدعم فصيلاً متورطاً في فظائع التطهير العرقي والإبادة الجماعية، دون أن تطاله العقوبات الأمريكية أو الدولية المفروضة على شركاء الحرب في السودان.
ويرى خبراء العقوبات الدولية أن تقديم الخدمات اللوجستية وتسيير رحلات نقل الأفراد والمعدات العسكرية واللوجستية لفائدة طرف خاضع للعقوبات يمثل انتهاكاً صارخاً للتشريعات الدولية، ويمكن أن يعرض الأفراد المعنيين للملاحقة الجنائية بتهمة خرق العقوبات أو التواطؤ في جرائم حرب.
ومع ذلك، واجهت رويترز جداراً من الصمت والإنكار من الأطراف المعنية:
• ستيفن شاوليس: تهرب من تقديم إجابات تفصيلية، مدعياً أن الطائرات بيعت لجهات أخرى، ومحيلاً الاستفسارات لشريكه كريغ مونرو.
• كريغ مونرو: نفى نفياً قاطعاً وجود أي صلة بين شركة «كونتراكتور إيرويز» وقوات الدعم السريع، مدعياً أن الرحلات الجوية إلى تشاد كانت تهدف فقط لنقل «معدات طبية وإنسانية لصالح أحد العملاء في سياق العمل الطبيعي».
• الحكومة التشادية: أكد وزير خارجيتها عبد الله صابر فضل أن موقف بلاده يقتصر على الدعم الدبلوماسي لإحلال السلام في السودان، نافياً استخدام البنية التحتية التشادية لعمليات غير داخلية. فيما ذكر مدير الطيران المدني التشادي إبراهيم دادي أن الطائرات المعنية لم تكن تحمل تصاريح بالعمل أو الهبوط في الأراضي التشادية، متجاهلاً صور الأقمار الصناعية التي تظهر الطائرات رابضة في القسم العسكري للمطار لشهور طويلة.
• دولة الإمارات: امتنعت السلطات الإماراتية عن التعليق على التقرير وعلاقتها بشركة «أوكسيدنتال» المسجلة في دبي، متمسكة بموقفها الرسمي القائل بأن تدخلها في الملف السوداني ذو طابع إنساني خالص، على الرغم من تأكيدات خبراء الأمم المتحدة المستمرة بوجود دعم عسكري مباشر لقوات الدعم السريع عبر شبكات معقدة تمر عبر تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا.



التعليقات (0)
جاري التحميل...