وسط ضجيج الحرب، وتزاحم المعارك والأزمات الإنسانية، ظلت قضية الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسرًا، واحدة من أكثر الملفات إيلامًا وإهمالًا. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، ظللنا نؤكد أن هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية، بل بشرٌ حُرموا من حريتهم، وأسرٌ تعيش يوميًا على أمل معرفة مصير أبنائها.
في منتصف العام الماضي، أطلق الدكتور نصر الدين شلقامي والأستاذة المحامية سامية الهاشمي، ومعهما رئيس تحرير صحيفتكم هذه، وعدد من المهتمين، مبادرة من أجل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسرًا. وحملت المبادرة توقيعات مائة شخصية سودانية، وخاطبت الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وكامل إدريس، ورئيس مفوضية السلام الدكتور سليمان الدبيلو، كما نقل الأستاذ نزار سيد أحمد رسالتها إلى الفريق محمد حمدان دقلو. ولم تقتصر المناشدات على أطراف النزاع، بل امتدت إلى الأمين العام للأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمفوض السامي لحقوق الإنسان، وكبير مبعوثي الولايات المتحدة إلى السودان، ووزراء خارجية دول الرباعية، كما خاطبت أسر المعتقلين والمخفيين قسرًا، في محاولة لإبقاء هذا الملف حاضرًا في الضمير الإنساني.
وعلى الرغم من أن المبادرة لم تتلق ردودًا رسمية، لكن جانب الحكومة كان أفضل في التجاوب، لم نتوقف عن المطالبة بحقوق مَنْ لا صوت لهم، ومن بينهم زميلنا الصحفي معمر إبراهيم، المعتقل لدى قوات الدعم السريع، إلى جانب مئات المدنيين والعسكريين الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا.
وخلال الأسبوع الماضي، برز تطور يستحق التوقف عنده، بعدما أفضت جهود المفوض السامي لحقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، إلى اختراق في هذا الملف، وجاء ترحيب وزارة الخارجية في الخرطوم، على لسان السفير محيي الدين سالم، بتبادل الأسرى بين الجيش وقوات الدعم السريع، ليبعث برسالة إيجابية يمكن أن تمثل بداية لمعالجة واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا.
إن إطلاق سراح الأسرى وكشف مصير المخفيين قسرًا يجب أن يظل أولوية تتقدم على الحسابات السياسية والعسكرية. فهناك آلاف الأسر التي تنتظر خبرًا يبدد سنوات القلق، وهناك أطفال كبروا وهم لا يعرفون مصير آبائهم، ومنهم من كان جنينًا في بطن أمه يوم اختفى والده، وهو اليوم يواصل رحلة الانتظار.
إن "صوت الأمة" تدعو جميع الأطراف، والقوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الإقليميين والدوليين، إلى التكاتف من أجل إغلاق هذا الملف الإنساني، فإطلاق سراح الأسرى وكشف مصير جميع المخفيين قسرًا ليس انتصارًا لطرف على آخر، وإنما انتصار للإنسانية وللسودان.



التعليقات (0)
جاري التحميل...