يشكل الحوار الوطني السوداني أحد أهم المداخل الواقعية للخروج من الأزمة الوطنية الراهنة، إذا ما توافرت له الإرادة السياسية الصادقة، واستند إلى رؤية وطنية شاملة تضع مصلحة السودان وشعبه فوق مصالح القوى والأطراف المتصارعة. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، التي أزهقت الأرواح ودمرت البنية التحتية وشردت الملايين داخل البلاد وخارجها، لم يعد أمام السودانيين سوى البحث الجاد عن عملية سياسية تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام استعادة الدولة وبناء السلام.

إن الدعوات إلى الحوار من بعض الأطراف التي كانت جزءًا من الأزمة أو أسهمت في استمرارها، ربما تثير مخاوف مشروعة من أن يتحول الحوار من وسيلة لإنهاء الحرب إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة وتعميق الانقسام أو تكريس أمر واقع جديد. ولذلك فإن العبرة ليست بمجرد الدعوة إلى الحوار، وإنما بطبيعته وأطرافه وأجندته والمرجعية التي يستند إليها والنتائج التي يستهدف الوصول إليها.

لقد ظل حزب الأمة القومي، منذ انقلاب 25 أكتوبر، يعمل من أجل تجنيب البلاد ويلات الصراع، وطرح مبادرات ومشروعات سياسية هدفت لبناء السودان على أسس جديدة بعقد اجتماعي جديد يتجاوز اخفاقات الماضي، واستعادة المسار المدني، وتحقيق الاستقرار عبر الحلول السياسية. غير أن تعقيدات المشهد السياسي وطموحات الاستحواذ على السلطة، ثم اندلاع حرب 15 أبريل، أجهضت فرصًا عديدة للحل، وأدخلت البلاد في واحدة من أخطر أزماتها الوطنية.

وفي هذا السياق، قدم حزب الأمة القومي مؤخرًا مشروع الخلاص الوطني بوصفه رؤية متكاملة لمعالجة جذور الأزمة، تقوم على الحلول الجذرية والمصالحة الوطنية، وإنهاء الحروب والصراعات، والإصلاح المؤسسي، وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية ومدنية. ويأتي الحوار الوطني الشامل في مقدمة آليات المشروع، باعتباره وسيلة للوصول إلى توافق وطني حقيقي، لا مجرد منصة لتبادل المواقف أو تقاسم النفوذ.

إن أي حوار جاد لا بد أن يستند إلى أهداف واضحة، في مقدمتها إنهاء الحرب، والحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وتحقيق انتقال سياسي مدني ديمقراطي، وإصلاح مؤسسات الدولة، وبناء جيش وطني مهني موحد، يخضع للسلطة المدنية ولا يتدخل في السياسة أو النشاط الاقتصادي.

هذه هي البوصلة التي ينبغي أن تهدي الحوار السوداني المنشود:

 حوار لا يشرعن واقعًا أفرزته الحرب، ولا يعيد إنتاج الشمولية، ولا يقصي القوى الوطنية، إلا من أجرموا في حق الشعب السوداني  وأسقطتهم ثورته المجيدة، ولا يخضع لإملاءات خارجية أو أجندات داخلية، وإنما يستمد شرعيته من الإرادة الوطنية ومصلحة الشعب السوداني.

ومن هذا المنطلق، فإن حزب الأمة القومي دائمًا يكون مبادرًا ومستعدًا للمساهمة في تيسير أي حوار وطني جاد يستند إلى هذه المبادئ، وفي مقدمتها إنهاء الحرب وبناء السلام واستعادة الحكم المدني. أما الحوار الذي يتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج الأزمة، أو تكريس الانقلاب، أو تعميق الانقسام، فلن يكون حلًّا، بل محطة جديدة في طريق الأزمة.

فالسودان اليوم لا يحتمل مزيدًا من المناورات؛ وإنما يحتاج إلى شجاعة سياسية تضع مصلحة الوطن فوق حسابات السلطة، وتفتح الطريق أمام سلام عادل ودولة مدنية ديمقراطية تستوعب الجميع.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...