بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، لم يعد السؤال من ينتصر في الميدان، بل ماذا تبقى من السودان إذا استمرت الحرب؟ فكل يوم يمر يحمل خسائر جديدة في الأرواح والاقتصاد والنسيج الاجتماعي، ويمنح التدخلات الخارجية مساحة أوسع لإعادة رسم المشهد بما يخدم مصالحها، لا مصالح السودانيين.
إن دروس التاريخ، في السودان وفي محيطه الإقليمي، تؤكد أن الحروب الطويلة لا تصنع دولة قوية، وإنما تفتح أبواب التفتيت والانقسام، وتغذي مشاريع الوصاية والتقسيم. وما شهدته بلادنا طوال العقود السبعة الماضية من نزاعات متكررة كان كافيًا لإثبات أن الحلول العسكرية، مهما طالت، لا تعالج جذور الأزمات، بل تؤجلها وتضاعف كلفتها.
إن قيمة الوطن لا تُقاس بعدد البنادق، وإنما بقدرته على صناعة سلام مستدام يؤسس لدولة عادلة، تحفظ كرامة مواطنيها وسيادتها ووحدة ترابها. ومن هنا، فإن الأولوية الوطنية يجب أن تكون وقف الحرب، وإطلاق عملية سياسية شاملة تضع السودان فوق الحسابات الحزبية والشخصية، وتدفع الجميع إلى تقديم التنازلات اللازمة من أجل مستقبل الأجيال القادمة.
كما أن بناء جيش وطني مهني واحد، يحتكر وحده حمل السلاح وفق الدستور والقانون، لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لإنهاء ظاهرة تعدد التشكيلات العسكرية وشبه العسكرية التي قادت البلاد إلى هذا المنعطف الخطير. أما إعادة إنتاج صيغ الحكم الهشة، أو شرعنة مراكز قوى موازية للدولة، أو العودة إلى تجارب أثبتت فشلها، فلن تكون سوى وصفة جديدة لإدامة الأزمة. ولقد جُرِّبت سياسات التمكين والاحتكار في عهد النظام المعزول، فسقطت ومعها أوهام بناء الدولة بالحزب الواحد.
يبقى السلام، بكل ما يتطلبه من شجاعة وتنازلات، هو الطريق الوحيد لحماية السودان، وصون وحدته، واستعادة دولته قبل أن يصبح الحفاظ على الوطن نفسه مهمة أكثر صعوبة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...