سارة عطية ــ صوت الأمة

حين يختل إيقاع المطر، لا يتغير الطقس وحده، بل تتبدل معه معادلات الزراعة والمياه والصحة، وتصبح حياة الملايين رهينة لتقلبات مناخية قد تبدأ في مياه المحيط الهادئ، لكنها تمتد بتأثيراتها إلى مناطق تبعد عنها آلاف الكيلومترات، من بينها السودان.

ولم يعد الحديث عن ظاهرة النينيو مجرد نقاش علمي يدور داخل مراكز الأبحاث، إذ تحولت إلى عامل حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال اضطراب مواسم الأمطار، وتزايد مخاطر الفيضانات والجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب الأوبئة التي كثيرًا ما ترافق هذه التحولات المناخية.

وتنشأ ظاهرة النينيو نتيجة ارتفاع غير اعتيادي في درجات حرارة المياه السطحية بالمحيط الهادئ الاستوائي، غير أن آثارها لا تبقى محصورة في مكان نشأتها، بل تنتقل عبر الغلاف الجوي لتؤثر على أنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق متباعدة من العالم. ففي الوقت الذي تشهد فيه بعض الدول أمطارًا استثنائية وفيضانات واسعة، تواجه دول أخرى مواسم جفاف وشحًّا في المياه، بما ينعكس مباشرة على الزراعة والأمن الغذائي والصحة العامة.

وفي السودان، لا تبدو آثار التقلبات المناخية بعيدة عن واقع الناس. فقد شهد خريف عام 2024 أمطارًا غزيرة وغير مألوفة في ولايتي نهر النيل والشمالية، تسببت في سيول وفيضانات واسعة خلفت خسائر في الأرواح والممتلكات، قبل أن تعقبها موجة من الأمراض الوبائية، أبرزها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك.

وبينما لا يمكن رد جميع تلك الظواهر إلى عامل واحد، يرى مختصون أن تكرار أنماط الطقس المتطرفة، من أمطار غزيرة في مناطق معتادة على الجفاف إلى انحسار الهطول في مناطق أخرى، يعكس تزايد الاضطرابات المناخية واتساع تأثيراتها على السودان.

وتتجدد المخاوف هذا العام مع مؤشرات أولية تفيد بأن موسم الخريف الحالي جاء أقل أداءً مقارنة بعدد من المواسم السابقة في أجزاء واسعة من البلاد، مع تراجع ملحوظ في معدلات هطول الأمطار في عدد من المناطق، بالتزامن مع توقعات إقليمية بموسم تقل فيه الأمطار عن معدلاتها الطبيعية، مع استمرار الارتفاع في درجات الحرارة.

وهكذا يجد السودان نفسه بين تجربتين متناقضتين: موسم مطير خلّف السيول والأوبئة، وموسم قد تفرض فيه ندرة الأمطار والجفاف تحديات مختلفة على الزراعة والمياه وسبل العيش. وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية البلاد للتعامل مع تقلبات المناخ، وما إذا كانت التحذيرات المبكرة ستتحول إلى خطط عملية تحمي الإنسان والموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي.

ويجمع خبراء وباحثون في المناخ والبيئة على أن التعامل مع ظاهرة النينيو لم يعد يقتصر على متابعة النشرات الجوية، بل يتطلب استعدادًا مبكرًا وسياسات أكثر مرونة للحد من آثارها على القطاعات الحيوية، لا سيما الزراعة والصحة وإدارة الموارد المائية.

فكيف يقرأ الخبراء هذه المؤشرات؟ وما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا لما تبقى من موسم الأمطار في السودان؟ وهل تقف البلاد أمام تحدٍّ مناخي جديد يستوجب استعدادًا استثنائيًا، أم أن آثار الظاهرة ستكون أقل حدة مما تشير إليه بعض التوقعات؟

دورة مناخية معقدة

يرى الباحث البيئي المقيم في ألمانيا، ساري نقد، أن ظاهرة النينيو ليست مجرد تغير مناخي عابر، وإنما دورة مناخية معقدة تمتد آثارها لسنوات، وتنعكس على قطاعات حيوية تشمل المياه والزراعة والصحة العامة.

ويوضح لـ(صوت الأمة) أن تأثيرات الظاهرة لا تظهر بصورة مفاجئة كما يحدث في العواصف أو السيول، بل تتطور تدريجيًا حتى تبلغ ذروتها بعد فترة من الزمن.

ويشير إلى أن بوادر تأثير النينيو بدأت قبل نحو عامين، إلا أنها لم تحظ آنذاك بالاهتمام الكافي، مستشهدًا بخريف عام 2024، وهو أول موسم أمطار أعقب اندلاع الحرب في السودان، عندما شهدت ولايتا نهر النيل والشمالية هطول أمطار غزيرة وغير مألوفة في مناطق لم تعتد مثل تلك الكميات.

ولا تتوقف آثار هذا النوع من الاضطرابات عند حدود الأمطار والسيول، إذ غالبًا ما تمتد إلى الصحة العامة، خاصة عندما تترافق المياه الراكدة وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة مع ضعف خدمات الصرف الصحي وتدهور البيئة.

وفي هذا الصدد، يؤكد نقد أن التغيرات في درجات الحرارة والرطوبة وكميات الأمطار تهيئ بيئة ملائمة لتكاثر نواقل الأمراض وانتشار الممرضات، وهو ما يزيد احتمالات تفشي الأوبئة، لا سيما في ظل تدهور الخدمات الصحية والبيئية الذي تعيشه البلاد.

وبحسب تقديراته، قد تستمر تأثيرات الظاهرة حتى نهاية موسم الأمطار لعام 2026، متوقعًا أن يشهد الموسم الحالي انخفاضًا في معدلات الأمطار مقارنة بعدد من المواسم السابقة، إلى جانب تراجع في تدفقات مياه النيل.

لكنه يشدد على أن انخفاض مناسيب النهر لا يرتبط بصورة مباشرة بظاهرة النينيو وحدها، وإنما بعوامل أخرى تتحكم في تدفقات المياه، وهو ما يجعل الفصل بين التأثيرات المناخية والعوامل التشغيلية والطبيعية أمرًا ضروريًا عند تحليل الوضع المائي.

وتتسع دائرة القلق عندما تمتد التوقعات إلى المواسم المقبلة، إذ يرجح نقد احتمال هطول أمطار خلال فصل الشتاء، خاصة في شمال السودان، بينما قد يشهد خريف عام 2027 أمطارًا غزيرة في بعض المناطق، في مقابل تعرض أجزاء واسعة من غرب البلاد لموجات جفاف قد تؤثر مباشرة على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.

ورغم تلك التوقعات، يرى الباحث أن السودان قد لا يكون من أكثر الدول تضررًا من النينيو مقارنة ببعض مناطق العالم، إلا أن تباين آثار الظاهرة بين الأقاليم يفرض ضرورة الاستعداد المبكر، وتعزيز أنظمة الرصد والإنذار، ورفع جاهزية مؤسسات الدولة للتعامل مع أي تطورات مناخية أو صحية محتملة.

موسم أقل من المعتاد

وتتقاطع هذه القراءة مع مؤشرات إقليمية تحذر من موسم مطري أقل من المعتاد في أجزاء واسعة من القرن الإفريقي، ويرى الصحفي والباحث المتخصص في قضايا البيئة، علي ميرغني، أن القراءة الحالية تختلف عن الصورة التقليدية التي غالبًا ما تربط ظاهرة النينيو بزيادة معدلات هطول الأمطار في بعض مناطق شرق إفريقيا.

ويقول في حديثه مع (صوت الأمة) إن وحدة التنبؤات المناخية والإنذار المبكر التابعة للهيئة الحكومية للتنمية "إيقاد" توقعت أن تشهد الفترة الممتدة من يونيو إلى سبتمبر معدلات أمطار دون المتوسط في أجزاء واسعة من القرن الإفريقي، بما في ذلك السودان، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تفوق المعدلات الطبيعية.

أرسل لك الجزء الثاني بنفس الطريقة، مع الاكتفاء بالتصحيحات اللغوية والإملائية وعلامات الترقيم فقط.

ويعني هذا السيناريو، في حال تحققه، زيادة الضغوط على المناطق التي تعتمد على الزراعة المطرية والرعي، إلى جانب ارتفاع احتمالات نقص المياه وتراجع الإنتاج، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية والإنسانية التي خلفتها الحرب.

ويلفت ميرغني إلى أن أهمية هذه التوقعات تكمن في أن وحدة الإنذار المبكر قدرت احتمال تحققها بنحو 90%، موضحًا أن نطاقها يشمل السودان، وغرب وشمال إريتريا، وغرب وشمال إثيوبيا، وشمال جمهورية جنوب السودان، وهي مناطق تتاخم الحدود السودانية.

ولا تقف التداعيات المحتملة عند حدود الإنتاج الزراعي، إذ قد يؤدي تدهور الأوضاع المناخية والمعيشية في تلك المناطق إلى زيادة حركة السكان بحثًا عن الغذاء والمياه وسبل العيش. ويشير ميرغني إلى أن بعض السكان قد يضطرون إلى النزوح نحو السودان رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، وهو احتمال يتطلب استعدادًا مبكرًا للتعامل مع أي تداعيات إنسانية جديدة.

ويدعو الحكومة إلى التنسيق مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لوضع خطط استجابة استباقية، بما يضمن توفير الاحتياجات الأساسية ويخفف الضغوط عن المجتمعات المستضيفة في حال حدوث موجات نزوح.

غير أن التوقعات المناخية، بحسب ميرغني، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مؤشرات للقلق فقط، بل يمكن التعامل معها باعتبارها فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية قبل تفاقم الأزمة.

ويقترح التوسع في زراعة محاصيل الأمن الغذائي، وفي مقدمتها الحبوب والحبوب الزيتية، داخل مشاريع القطاع المروي، بهدف تكوين احتياطي إنتاجي يحد من آثار أي تراجع محتمل في الموسم الزراعي.

وعلى المدى البعيد، يرى أن مواجهة هذه التقلبات تتطلب الاستثمار في تقانات الري التكميلي بالمشروعات المطرية، وتطوير برامج حصاد المياه، وتعزيز البحوث المتعلقة بالتكيف مع التغيرات المناخية، خاصة أن وتيرة التغير المناخي وحدّة تأثيراته تتزايدان عامًا بعد عام.

من الاستجابة إلى الوقاية

وبين التحذيرات من تراجع الأمطار والمخاوف من السيول المفاجئة، تبرز الحاجة إلى سياسات قادرة على التعامل مع النقيضين معًا، بدلًا من انتظار وقوع الكارثة ثم التحرك لمعالجة آثارها.

وبحسب المختصة في شؤون البيئة إسراء حسن علي، فإن ظاهرة النينيو لم تعد مجرد تقلب مناخي موسمي، بل تحولت إلى عامل مؤثر في الواقع البيئي والاقتصادي بالسودان، لما تسببه من اضطرابات حادة في أنماط الأمطار ودرجات الحرارة، وانعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي والموارد الطبيعية.

وقالت في إفادتها لـ(صوت الأمة) إن الظاهرة تقود إلى تباين واضح في توزيع الأمطار، إذ تشهد بعض المناطق انخفاضًا حادًا في معدلات الهطول، بما يفاقم موجات الجفاف ويهدد الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية، بينما تتعرض مناطق أخرى لأمطار غزيرة وسيول جارفة تتسبب في تدمير البنية التحتية والمحاصيل الزراعية.

ويكشف هذا التباين أن التحدي لا يكمن فقط في نقص الأمطار أو زيادتها، وإنما في عدم انتظامها وصعوبة التنبؤ بتوزيعها مكانيًا وزمانيًا، وهو ما يربك مواسم الزراعة ويضعف قدرة المجتمعات على التخطيط.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد إسراء أن التعامل مع التحديات المناخية يتطلب الانتقال من سياسة الاستجابة بعد وقوع الكوارث إلى التخطيط الاستباقي، عبر تحديث وتطوير منظومات الإنذار المبكر ورفع جاهزية المجتمعات لمواجهة التقلبات المناخية.

كما تشدد على أهمية التوسع في مشاريع حصاد المياه وتجميع مياه الأمطار للاستفادة منها خلال فترات الجفاف، إلى جانب تبني الممارسات الزراعية الذكية مناخيًا واستنباط أصناف أكثر قدرة على تحمل الجفاف والإجهاد المائي.

وترى أن دعم البحوث العلمية وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الحكومية ومراكز الدراسات والجامعات يمثلان مدخلًا أساسيًا لبناء سياسات أكثر فاعلية للتكيف مع التغيرات المناخية.

ومع تكرار موجات الجفاف والسيول وارتفاع درجات الحرارة، لم تعد مواجهة تداعيات النينيو شأنًا بيئيًا منفصلًا، بل أصبحت قضية تمس الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتفرض على السودان تبني رؤية طويلة الأمد لحماية موارده الطبيعية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...