القاهرة - ilo

 قبل اندلاع الحرب في السودان، كان الحسن علي يعيش حياة مستقرة مع أسرته، ويعمل في إصلاح وصيانة الهواتف المحمولة، وهي مهنة كانت توفر له دخلاً ثابتاً وتساعده على تلبية احتياجات أسرته.

لكن في عام 2023، أجبر النزاع الداخلي العنيف آلاف السودانيين على مغادرة البلاد، وكان الحسن وعائلته من بين الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار الرحيل بحثاً عن الأمان، خاصة بعد تدهور الحالة الصحية لابنته التي كانت بحاجة إلى رعاية طبية لم تعد متاحة بسهولة في السودان.

يقول الحسن إن ابنته كانت تعاني من مرض خطير، لكن الأسرة لم تتمكن من الحصول على تشخيص دقيق بسبب توقف المستشفيات وصعوبة الوصول إلى الأطباء والخدمات الطبية.

ومع تدهور حالتها، أدرك الحسن أن بقاء أسرته في السودان أصبح يشكل خطراً على حياة ابنته، فقرر مغادرة البلاد بحثاً عن مكان آمن يمكنها فيه الحصول على العلاج.

 

مصر.. بداية جديدة

اختار الحسن مصر باعتبارها الوجهة الأكثر أماناً لعائلته، كما وجد فيها إمكانية الحصول على الرعاية الصحية التي تحتاجها ابنته، التي شُخّصت بسرطان الدم.

وساعدت اللغة والثقافة المشتركتان الأسرة على التأقلم مع الحياة الجديدة، كما كانت عمة زوجته، التي كانت تقيم في الإسكندرية، من أوائل الأشخاص الذين قدموا لهم الدعم وشجعتهم على القدوم إلى مصر.

ويصف الحسن لحظة وصوله إلى مصر بأنها كانت مرتبطة قبل كل شيء بشعور الأمان.

ويقول: «أول ما أتذكره هو شعوري بالأمان. بعد كل ما مررنا به، منحني الوصول إلى مصر الأمل».

لكن الوصول إلى الأمان لم يكن يعني انتهاء التحديات. ففي السودان، كان الحسن يتمتع باستقرار مالي، بينما اضطر في مصر إلى البدء من الصفر، وسط دخل محدود ومسؤوليات أسرية كبيرة، من بينها تكاليف علاج ابنته.

 

Alhassan working 16to9.jpg.webp

البحث عن فرصة عمل

بدأ الحسن البحث عن عمل فور وصوله إلى مصر، وتنقل بين محلات إصلاح الهواتف المحمولة في الحي، يسأل عن فرص العمل المتاحة.

وبعد فترة، تمكن أحد أصحاب العمل من التعرف على خبرته السابقة ومهاراته التقنية، وعرض عليه وظيفة، وهو ما ساعده على البدء في إعالة أسرته من جديد.

وبعد نحو عام من العمل في محلات مختلفة لإصلاح الهواتف المحمولة، أصبح الحسن أكثر معرفة بالسوق المصرية، وبنى علاقات مع الموردين، كما اكتسب فهماً أفضل لاحتياجات العملاء.

ومع مرور الوقت، تمكن من ادخار ما يكفي لشراء المعدات التي يحتاج إليها، ودخل في شراكة تجارية ساعدته على تأسيس مشروعه الخاص.

وكان افتتاح متجره الخاص لحظة مهمة بالنسبة للحسن، إذ شعر بأنه استعاد جانباً من استقلاليته بعد رحلة صعبة.

ويقول إن افتتاح المشروع منحه «شعوراً حقيقياً بالاستقلالية والإنجاز»، وشعر حينها بأن الجهد والتضحيات التي بذلها بدأت تؤتي ثمارها.

لكن امتلاك محل لإصلاح الهواتف كشف له عن تحديات جديدة. فإدارة مشروع تجاري كانت مختلفة عن مهارته الأساسية في إصلاح الهواتف.

ويقول الحسن: «عندما افتتحت المحل، كنت أعرف كيف أصلح الهواتف، لكنني لم أكن أعرف ما يكفي عن إدارة الأعمال».

 

f135e6e8-8dd0-467a-9e89-898739ed6524 in 16to9.jpg.webp

وكان الجانب المالي هو التحدي الأكبر بالنسبة إليه، إذ كان يعلم أنه يرتكب أخطاء في إدارة المشروع، لكنه لم يكن يعرف كيفية تحديدها أو تصحيحها.

ومع العمل لساعات طويلة، وتزايد نفقات المشروع ومسؤوليات الأسرة، بدأت الديون تتراكم عليه.

وجاءت نقطة التحول عندما علم الحسن، من خلال أفراد من الجالية السودانية، بوجود برنامج تدريبي في مجال الأعمال.

وعندما زار مكتب كاريتاس مصر، تعرف على برنامج التدريب «ابدأ وحسّن عملك» التابع لمنظمة العمل الدولية، وتلقى شرحاً حول كيفية مساعدة البرنامج أصحاب الأعمال على تحسين إدارة مشاريعهم وتنميتها.

اقتنع الحسن بأن التدريب يمكن أن يساعده، فقرر المشاركة إلى جانب طالبي لجوء آخرين ومصريين.

ويقول إن التدريب ساعده على اكتشاف أخطاء لم يكن يدرك أنه يرتكبها، ومنحه فهماً أفضل لطريقة إدارة مشروعه.

وكان من أهم الدروس التي تعلمها أهمية الاحتفاظ بسجلات تجارية دقيقة، وتسجيل الإيرادات والنفقات حتى يتمكن من معرفة أداء المشروع بصورة واضحة.

كما بدأ بفصل أمواله الشخصية عن أموال العمل، ووضع لنفسه عادة تتمثل في ادخار جزء من الأرباح للاستثمار في نمو المشروع، بالتزامن مع تلبية احتياجات أسرته.

 

ورغم أنه درس إدارة الأعمال، يرى الحسن أن تدريب «ابدأ وحسّن عملك» قدم له تجربة عملية مختلفة.

ويقول: «أشعر بصدق أنني اكتسبت مهارات عملية في إدارة الأعمال خلال التدريب أكثر مما اكتسبته خلال دراستي الجامعية».

بعد تطبيق ما تعلمه خلال التدريب، ارتفع دخل الحسن بنحو 35 بالمائة تقريباً.

كما وسع نشاط متجره من خلال إضافة ملحقات الهواتف المحمولة إلى الخدمات التي يقدمها، وهو ما وفر له مصدراً إضافياً للدخل وساعده على تنويع أعماله.

ويقول الحسن إن إدارة الأموال أصبحت أكثر وضوحاً بالنسبة إليه، فأصبح لكل جنيه يكسبه غاية محددة، كما أصبح قادراً على الادخار بصورة أكثر انتظاماً، بهدف دعم علاج ابنته وتوفير قدر أكبر من الاستقرار لعائلته.

علاج الابنة.. الهدف الأكبر

لا يزال علاج ابنة الحسن يمثل أولوية رئيسية بالنسبة للأسرة.

وتواصل ابنته العلاج الكيميائي بانتظام، ويقول والدها إنها تستجيب للعلاج بشكل إيجابي حتى الآن، رغم وجود أيام صعبة، مضيفاً أن الأسرة تواصل الدعاء لها بالشفاء التام.

وتتمثل الخطوة التالية في علاجها في زراعة نخاع العظم.

وقد حصلت الأسرة على دعم يغطي جزءاً من تكلفة العملية، بقيمة 250 ألف جنيه مصري، أي نحو 4,900 دولار أمريكي، فيما يسعى الحسن إلى جمع المبلغ المتبقي، والبالغ 150 ألف جنيه مصري، أي نحو 2,950 دولاراً أمريكياً، حتى تتمكن ابنته من إجراء عملية الزرع في أقرب وقت ممكن.

ورغم ظروفها الصحية، أصرت ابنته على العودة إلى المدرسة وخوض امتحاناتها، وكانت تحضر إلى المدرسة كلما سمحت لها حالتها الصحية، عادة يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع.

وتمكنت من إكمال امتحانات الصف السادس بنجاح.

وبعد رحلة بدأت بالحرب والنزوح والبحث عن الأمان، أصبح الحسن ينظر إلى مشروعه الصغير باعتباره وسيلة لإعادة بناء حياة أسرته.

ويقول إن أكبر أمنياته هي أن يرى أطفاله بصحة جيدة وآمنين وقادرين على التمتع بمستقبل أفضل.ويضيف: «كل ما أفعله هو من أجلهم».

ويطمح الحسن إلى مواصلة تطوير مشروعه، حتى يتمكن من توفير الرعاية والتعليم والفرص التي يرى أن أطفاله يستحقونها.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...