صوت الأمة ــ سارة عطية
لم تعد جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان مجرد محطة جديدة في سجل طويل من الاجتماعات والبيانات الدولية، في وقت تتسع فيه رقعة الحرب وتتعمق كلفتها الإنسانية. فقد حملت جلسة 24 أغسطس مؤشرات على محاولة نقل النقاش الدولي من توصيف تداعيات الحرب إلى بحث بعض العوامل التي تغذي استمرارها، وفي مقدمتها تدفق السلاح والدعم العسكري الخارجي.
وبينما حذرت الأمم المتحدة من تصاعد القتال واتساع الهجمات بالطائرات المسيرة، واستمرار النزوح والانتهاكات وتفاقم الأزمة الإنسانية، طرحت الولايات المتحدة مقترحاً بتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، مع إدراج الطائرات المسيرة والأنظمة والتقنيات المرتبطة بها، إلى جانب تعزيز آليات الرقابة على تنفيذ الحظر.
ويمثل المقترح الأميركي تحولاً لافتاً في طبيعة النقاش، إذ لم يعد التعامل مع تدفق السلاح محصوراً في دارفور باعتبارها بؤرة للنزاع، وإنما أصبح مطروحاً على مستوى السودان كله. لكن المقترح اصطدم منذ اللحظة الأولى بتحفظات ورفض من الخرطوم وموسكو وبكين، فيما أبدت دول غربية تأييدها لتوسيعه، ما يجعل فرص تمريره مرتبطة بالتوازنات داخل مجلس الأمن، خصوصاً في ظل امتلاك روسيا والصين حق النقض.
ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية: هل يتجه المجتمع الدولي بالفعل إلى تغيير أدوات تعامله مع الحرب السودانية، أم أن الأمر لا يتجاوز إضافة إجراء جديد إلى قائمة طويلة من الإجراءات التي لم تنجح حتى الآن في إنهاء الحرب؟
عرمان: المطلوب وقف الحرب لا إدارتها
يرى ياسر عرمان، رئيس حزب الحركة الشعبية – التغيير الثوري الديمقراطي، أن جلسة مجلس الأمن والمقترحات التي طُرحت خلالها، رغم أهميتها في إعادة الحرب السودانية إلى دائرة الاهتمام الدولي، لا تزال أقرب إلى إدارة الحرب منها إلى العمل الجاد على وقفها وإنهائها.
ويقول إن التركيز على تجديد وتوسيع الإجراءات المتعلقة بالسلاح، بعد أكثر من عقدين من تطبيق حظر الأسلحة في دارفور، يطرح تساؤلات جدية بشأن جدوى الحلول الجزئية، خاصة أن التجربة أظهرت محدودية هذه الإجراءات في حماية المدنيين أو وضع حد للحرب في الإقليم.
ويضيف عرمان، في مقال بعنوان «قبل أن نصفق لمجلس الأمن.. هل يعمل المجلس والرباعية على إدارة الحرب أم وقفها؟ وما أهمية الاجتماع المشترك لمجلسي الأمن الأفريقي والدولي؟»، أن المطلوب ليس إجراءات ومسكنات مؤقتة، وإنما مقاربة دولية وإقليمية متكاملة تضع وقف الحرب وحماية المدنيين ومعالجة الكارثة الإنسانية في مقدمة أولوياتها.
ويحذر من أن استمرار التعامل مع الأزمة عبر إجراءات جزئية قد يخلق أملاً زائفاً لدى السودانيين، بينما تتواصل الحرب في كردفان ودارفور والنيل الأزرق ومناطق أخرى.
وينتقد عرمان ما يعتبره تراجعاً عن مضامين إعلان مبادئ الرباعية الصادر في سبتمبر 2025، والذي دعا إلى هدنة إنسانية وعملية انتقالية تقود إلى حكومة مدنية، معتبراً أن الركون إلى إجراءات محدودة، من دون مسار واضح لوقف الحرب، يمثل تراجعاً عن الهدف الأساسي.
ويدعو القوى الديمقراطية إلى الدفع نحو مبادرة شاملة تبدأ من أفريقيا ودول الجوار، وصولاً إلى مجلسي الأمن الأفريقي والدولي، بما يتيح بناء تفاهم دولي أوسع حول خارطة طريق متكاملة لوقف الحرب وإنهائها والحفاظ على وحدة السودان وسيادته.
ويؤكد عرمان أن حماية المدنيين وإطلاق العملية السياسية لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن وقف الحرب، داعياً إلى تجاوز الحلول الهشة والجزئية، وبناء تحالف ديمقراطي واسع يخاطب جذور الأزمة، بحيث تكون الحرب الحالية «آخر حروب السودان»، لا أن تتحول الجهود الدولية إلى مجرد آلية لإدارة الصراع وإطالة أمده بدلاً من إنهائه.
حظر السلاح.. محاولة للتأثير في مصادر استمرار الحرب
وبينما يضع عرمان أهمية الجلسة في سياق الحاجة إلى مسار دولي أكثر شمولاً، يقدم المقترح الأميركي أحد أبرز المؤشرات العملية على التحول الذي بدأ يطرأ على النقاش داخل مجلس الأمن.
فواشنطن لا تطرح مجرد تمديد للإجراء القائم في دارفور، وإنما تسعى إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل السودان بأكمله، وإدراج الطائرات المسيرة والأنظمة والتقنيات المرتبطة بها، مع تعزيز قدرة فريق الخبراء على رصد الانتهاكات وشبكات تمويل وتسليح الأطراف.
وتأتي الخطوة في وقت باتت فيه المسيرات إحدى أبرز أدوات الحرب، بعدما وثقت الأمم المتحدة مقتل نحو 1400 مدني خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، بينهم نحو 1100 قُتلوا في ضربات بطائرات مسيرة، وفق إفادة وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة، روزماري ديكارلو، أمام المجلس.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بجدوى الحظر، وإنما بقدرته على التنفيذ والتأثير. فحتى إذا حظي المقترح بتأييد عدد من أعضاء المجلس، فإن المعارضة الروسية والصينية تضع عقبة كبيرة أمام تمريره، فيما ترى الخرطوم أن توسيع الحظر قد يساوي بين الجيش وقوات الدعم السريع ويؤثر في قدرة الدولة على حماية نفسها.
وبذلك يتحول المقترح الأميركي إلى اختبار حقيقي لمجلس الأمن نفسه: هل يستطيع المجلس الانتقال من إصدار التحذيرات إلى التأثير في مصادر الحرب، أم أن الانقسام الدولي سيعيد الملف إلى دائرة المواقف المتعارضة؟
وفي قراءة مختلفة، يرى المحلل السياسي د. مصعب محمد علي، في حديثه لـ«صوت الأمة»، أن جلسة مجلس الأمن تعكس تحولاً نسبياً في طبيعة المقاربة الدولية للحرب في السودان، موضحاً أن النقاش لم يعد يتركز فقط على النتائج الإنسانية للحرب، مثل النزوح والمجاعة وحماية المدنيين، وإنما بدأ يتجه بصورة أوضح إلى العوامل التي تغذي استمرارها، وفي مقدمتها تدفق السلاح والدعم الخارجي للأطراف.
ويعتبر محمد علي أن المقترح الأميركي بتوسيع حظر السلاح من دارفور إلى عموم السودان، وإدراج الطائرات المسيرة، يعكس هذا التحول، لكنه يرى أن الانقسام داخل المجلس سيظل عاملاً حاسماً في تحديد مصير أي قرار جديد، خاصة في ظل الرفض الروسي والصيني للمقترح.
ويقول إن المرحلة الحالية يمكن وصفها بأنها انتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى محاولة التأثير في مدخلاتها، ولكن من دون امتلاك توافق دولي كافٍ حتى الآن لفرض مسار جديد. فالمجلس، بحسب تقديره، أصبح أكثر إدراكاً لأن الأزمة لا يمكن احتواؤها إنسانياً فقط، وأن وقف تدفق السلاح والدعم الخارجي يمثل جزءاً أساسياً من معالجة الحرب، لكنه لا يزال يفتقد الإجماع السياسي اللازم لتحويل هذا الإدراك إلى سياسة ملزمة وفعالة.
ويرى أن تصعيد النقاش حول السلاح وحماية المدنيين يمكن أن يؤثر مستقبلاً في مسار الأزمة، باعتبار أن الحرب السودانية تتداخل فيها عوامل خارجية مرتبطة بالتسليح ونقل الأسلحة وتدفقها. لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن الضغط الدولي، مهما بلغ، لن يوقف الحرب بمجرد صدور المواقف والبيانات، ما لم يُعد تشكيل حسابات الأطراف نفسها.
ويضيف أن اللحظة التي يرى فيها الجيش والدعم السريع أن كلفة التفاوض أصبحت أقل من كلفة استمرار الحرب ستكون نقطة التحول الحقيقية، أو أن ينجح الضغط الدولي في إعادة تشكيل حسابات الأطراف الإقليمية ودفعها إلى وقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.
بين التقارير الأممية وفاعلية الضغط الدولي
ولا تقتصر قراءة جلسة مجلس الأمن، بحسب المحلل السياسي د. راشد محمد علي، على طبيعة المقترح الأميركي أو الانقسام داخل المجلس، وإنما تستند أيضاً إلى ما حملته الإحاطة الأممية من معطيات حول تطورات الحرب والانتهاكات.
ويرى راشد أن الجلسة جاءت في إطار إحاطة استندت إلى تقارير أعدتها وكالات الأمم المتحدة، وليست إلى تقارير مقدمة من دول أو جهات معادية للسودان، مشيراً إلى أن ما ورد فيها تضمن إدانة واضحة لممارسات قوات الدعم السريع، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، اتجاهاً دولياً أكثر وضوحاً في قراءة مسار الحرب وتداعياتها.
ويقول إن معالم الحرب في السودان بدأت تتضح بصورة أكبر مع تقدم الجيش ميدانياً على حساب قوات الدعم السريع، معتبراً أن المنابر الدولية باتت إحدى أدوات السياسة لتحقيق أهداف عجزت الأطراف المؤثرة في المشهد السوداني عن تحقيقها عبر الآليات العسكرية وحدها.
ويرى أن الانتقال إلى موقف دولي أكثر حزماً تجاه الحرب لا يتم بمجرد إصدار المواقف، وإنما يحتاج إلى لجان وآليات مساعدة ودراسات تسبق مرحلة اتخاذ القرارات، بما يضمن فاعلية الإجراءات وقدرتها على التأثير في مسار الصراع.
وفي ما يتعلق بتدفق السلاح، يشير راشد إلى أن استمرار الحرب يخلق سوقاً خصبة أمام الدول والجهات التي تروّج للسلاح وتبيعه، الأمر الذي يجعل استمرار النزاع مصلحة لبعض المستفيدين من تجارة السلاح أكثر من كونه عاملاً مساعداً على تحقيق السلام. ويبرز ذلك، بحسب رأيه، أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المنظمات الدولية في الحد من تدفق السلاح وتعزيز جهود حماية الأمن والسلام.
ويعتقد أن الإجراءات التي يجري بحثها داخل مجلس الأمن تصب، في جانب منها، لمصلحة الخرطوم، خصوصاً مع تنامي الضغط الدولي على الأطراف والجهات الداعمة للحرب، معتبراً أن هذا الضغط يمكن أن يصبح أكثر تأثيراً كلما انتقل المجتمع الدولي من إصدار المواقف إلى اتخاذ إجراءات عملية تستهدف مصادر استمرار الحرب وتدفق السلاح إليها.
وفي المحصلة، تكشف جلسة مجلس الأمن أن الحرب في السودان لم تعد تُناقش فقط من زاوية نتائجها الإنسانية، وإنما أيضاً من زاوية العوامل التي تضمن استمرارها، وفي مقدمتها تدفق السلاح والدعم الخارجي. غير أن الانتقال من هذا الإدراك إلى تأثير فعلي يظل رهيناً بقدرة القوى الدولية على تجاوز انقساماتها وتحويل المقترحات المطروحة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.
وبين الدعوات إلى توسيع حظر السلاح، والتحذير من الاكتفاء بمعالجات جزئية، تظل فاعلية أي تحرك دولي مرتبطة بمدى قدرته على دفع أطراف الحرب وداعميها نحو تغيير حساباتهم، وتهيئة الطريق لوقف القتال وحماية المدنيين وفتح مسار سياسي جاد. وحتى يحدث ذلك، سيبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان مجلس الأمن يقترب بالفعل من التأثير في مسار الحرب، أم يواصل إدارة تداعياتها من دون امتلاك الأدوات الكافية لإنهائها.



التعليقات (0)
جاري التحميل...